Posts

Showing posts from April, 2026

البَحْتة

  لم يكن الشتاء في صغري فصلًا تُقاس شدّتُه بميزان الحرارة، ولا تُعرَف حدّتُه بما تأتي به درجات البرد، بل كان حالًا من أحوال النفس، تُدرَك برائحةٍ خفيّةٍ تسري في الجو سريان الروح في الجسد؛ رائحةُ الأرز بالحليب، إذا فاض من قدره في مطبخنا الضيّق، فملأ أرجاء الدار دفئًا، كأنّ للدفء صورةً تُرى، ورائحةً تُحَسّ. كان أبي إذا أقبل المطر، أو اشتدّ لفحُ البرد، نهض إلى قدره، يغسل حبّات الأرز بيدٍ رفيقة، كأنّه يُطهّرها من قسوة العالم، ثم يُفيض عليها الحليب، ويقيم عليها حارسًا صابرًا، لا يبرحها، كأنّ في غليانها سرّ طمأنينتنا، وفي هدوئها سكينة أرواحنا. ولم يكن يصنعها على نسقٍ واحد، بل كان يُدخل عليها من خياله ما يشاء، حتى غدت “البَحْتة”—كما نسمّيها نحن—وصفةً لا تُحفظ مقاديرها، إنّما روحٌ تُورث، ونفحةٌ تُلتقط، ومعنى يُعاش. وفي صدر غرفة الجلوس، كان لدينا مدفأةٌ صغيرة، كأنها قلب البيت النابض؛ لا نتركها خاليةً يومًا، فإن خلا سطحها من شيءٍ بدا المكان موحشًا، كأنّ الدفء نفسه قد هجره. فكنا نُؤنسها بما يليق بها: كستناءً تتقشّر على النار، أو بطاطًا حلوةً تصطبر في حرارتها، أو إبريق شايٍ يتصاعد بخاره كأنفاس...