Posts

Showing posts from June, 2024

غِطاء القهوة البلاستيكي

Image
جرت العادة أن أذهب لأصطحب صديقتي حين نخرج معًا، وفي كلّ مرّةٍ نشتري القهوة سريعًا من بائِعٍ على الطريق، يضع لنا غطاءً بلاستيكيًا على الكوب. وكنت أنا أزيله دائمًا وألقيه في القمامة فورًا، مما كان يثير غرابة صديقتي. كانت تقول لي: "حذارِ، ستنسكب القهوة عليك يومًا ما بلا شك، وستحرقكِ!" لكنني لم أكن أكترث، واستمررت في فعل ذلك، كنت أقول لها: "لغطاء القهوة عندي معنىً فلسفي عميق لو أنّكِ تدركين." مرّة شرحتُ لها كم أكرهُ المجهول، لا أطيق فكرة النظر إلى الكوب دون أن أرى مقدار السائل فيه، خصوصًا إذا كان ساخنًا. قُلت: أنا أحبُّ اليقين، ولا أحب أن أتعامل مع الأمور كما يتعامل شرودينغر مع قطّته. شرحتُ لها أنني أُعامل حياتي كلها بنفس النّهج الّذي أُعامل فيه غطاء قهوتي. المستقبل مثلًا يرعبني، إذ يربكني كل شيء مُبهم وغامض، لذلك فإنّ كل غطاء أزيله هو رمز لإصراري على رؤية الأشياء كما هي، دون حواجز أو عوائق، دون أن يخفى عنّي شيء. فكرة المجهول تشبه الكوب المغطّى، تخفي عنا ما قد يكون، تجعلنا نتساءل، نخشى، ونتردد. لكن إزالة الغطاء هي إقدامٌ لمواجهة الحقائق، رغبة في الشفافية والوضوح، حتى لو...

أضحَك يوم في حياة أمجد

Image
في أحد الأيام، ذهبت لأصطحب أمجد -ابن أختي البالغ من العمر أربعة أعوام- من المدرسة. كان لدينا خطة للخروج سويًا، فسألته عن المكان الذي يود زيارته، فأجاب بحماس أنه يرغب في الذهاب إلى مكان يبيع عصير البطيخ. بدأت أبحث في المحال عن أي متجر يقدم عصير البطيخ، ولكن دون جدوى. بعد بحث طويلٍ دخلت أحد المحلات، وكان أملي الأخير، وسألت البائع إذا كان لديهم عصير البطيخ. فردّ بخدعة تسويقية واضحة: "لا، لكننا نمتلك عصير فراولة رائع." كنت مرهقة من البحث المتواصل، ولم أُرد أن يحزن أمجد، فقررت القبول بعرض البائع. قلت له: "حسنًا، سآخذ عصير الفراولة لكن قُل للطفل أنّه عصير بطيخ." عندما أحضرَ البائع العصير، أخبرنا أمجد بأن هذا العصير هو عصير البطيخ الّذي بحثنا عنه طويلًا، وبالفعل انطلت عليه الخدعة. شرب أمجد العصير بتلذذ واستمتاع، وبقي شاكرًا لي لأنني بحثت بجهد كبير حتى وجدت عصير البطيخ الذي يرغب فيه. أثناء مغادرتنا للمحل، احتضنني أمجد وقال: "هذا أضحك يوم في حياتي" تعبيرًا عن مدى سعادته بعصير البطيخ المزيّف. خدعت أمجد ذلك اليوم وصنعت من نفسي بطلة زائفة. عندما سمعته يروي القصة لوالد...

أنتَ والجمال فيكَ

 هنالك أيّام، تضيقُ أسباب الفكر فيها، وتنحصر العاطفةُ منها، أيّام قويّة كريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ متناوحةٍ، تاتي مِن كلّ صوب، لو جَهدِ المرئ جُهده، وطوّق الرّجل نفسه بأشدّ عباراتِ الصّبر والسّلوان والأمل، ما أمسك من مجراها ولا أرسل، ولا نجى منها ومن خرابها ولا استبشر.  فجأةً، تنطفئ قدحة نورك، تتعقّد كل البسائط، وتتقصّى كل القرائب، لا شيء يدنو منك، لا أرضٌ تحملك، ولا نارٌ تدفِئُك، بل يستعرّ اللهب بقلبك المقفَر، ويمشي الزمان عليك كحزّ السيف، تنطوي في قلبك الحياة، ويخنقك ضيق الهواء، يلتبس عليك فكرُ عقلك وحلمُ نومكِ، فلا يعود الليل لك لباسًا، ولا يبقى في عينيك صفاء.  وما يكون منك سوا أن تترقّب، أنت مشروخٌ من الكتف إلى الكتف، لكنّك تنتظر أن تنحلّ عقدةُ الحياة، أن تهدأ رعدة قلبك، فيظهر لك موضع الرّحمة فيك، وتعي حجم العاطفة في روحك، وتدرك كمّ الحُسن الّذي تلاحظه عيناك، ومقدار السحر الّذي تستوعبه دنياك، وضخامةُ الحسّ الإنساني في خلدك، حتّى تكاد برقّتك تفوق الإنسانيّة، وتتجاوز البشر في القدرةِ على صبّ الشّعور. تنظرُ إلى الكون، فترى أنّه فيضٌ من جلالٍ وجمال، وكلٌّ فيه يغترف بمقدار كأسِه. ...