سرّي الجميل
تساورني بين الحين والحين رغبةٌ عارمة تجرّ قلمي جرًّا إلى الصحائف، ففي أعماقي حديثٌ لا يجد سبيله إلى السكون حتى يُلقى على الورق؛ فأودّ لو أبثّ العالم نبأنا، وأحدّث الناس طرًّا عن قصّتنا التي نُسجت خيوطها بين تضاعيف الزمان، أودّ لو أصرخ في هذا الفضاء الفسيح: كيف بدأت حكايتنا.. وأين التقت أواصرنا.. وكيف، بالرغم من فساحة هذا العالم واتساع أقطاره، وكثرة الوجوه التي تمرّ بنا ثم تمضي كأنها لم تكن، شاءت الأقدار أن نلتقي..كيف اجتمعت روحان كان يمكن لكلٍّ منهما أن يعيش عمره كاملًا دون أن يعرف أن في هذا العالم روحًا تشبهه إلى هذا الحد؟ وكيف استطاع شخصٌ لم يكن لي في أول الأمر إلا وجهٌ بين الوجوه، أن يصبح بعد ذلك وجهتي حين تضطرب بي الجهات، وصوتي حين يعجز لساني، وسكينتي حين تضيق بي الدنيا؟ أود أن أكتب كيف جاءت الحكاية في وقتٍ كانت فيه الأخبار تُحمل إلينا كأنّها نذرٌ تتعاقب، المسافات كانت طويلة لا نهاية لها، كنّا نرقب جمر الأخبار، وننتظر حركة الطيران بأفئدةٍ واجفة، تجثم عليها هيبة القلق ورهبة النوى، ونحسب الساعات، لنظفر بلقاءٍ عابر، بضع ساعاتٍ أو أيام، نجلس فيها متجاورين، ونستعيد شيئًا من الحياة...