سارِقة الأعمار
كثيرًا ما تحدّث الناس عن الغربة، كتبتُ أنا عنها سابقًا، ولطالما جادت قرائح الشعراء بدموع الفراق وزفرات الاشتياق، فصوّروا لنا النوى كأنه جدار من المسافات يفصل بين جسد المغترب وظله في وطنه. كانوا يقولون أنّ الغربة لوعة تشب في الصدر كلما غربت شمس، أو أطلّ هلال، أو عدّ العادّ فروق التوقيت بين قلبين يفصل بينهما المحيط. لكن ما كتموه عنا، أو لعلهم لم يدركوه أن الفاجعة الكبرى في الغربة ليست في قسوة الحنين المُحرق، وإنّما في "عجلة الزمن الطاحنة" التي تجرف العمر جرفًا، وتسرق من الإنسان وعيه بأيامه وسنينه. كنت أظن أن الساعة هي الساعة في كل صقع من أصقاع الأرض، شقاؤها واحد ودقائقها ستون. لكني لفيت هنا زمنًا غير الذي عهدت؛ كأن عقارب الساعات هنا قد أُشربت روحًا من الجمر، فهي تفر فرار السهم من الرمية. الدقيقة تمضي كلمحة البرق، واليوم يمر كأنه ساعة من نهار، والشهور تتلاحق متأبّطةً الفصول، فلا يكاد المرء يستقبل ربيعًا حتى يلفح وجهه زمهرير الشتاء. هنا، في كل لحظة تمر وكل ثانية تنقضي، يولد حدث جديد، ويفور العالم من حولك بحركة مستمرة لا تهدأ ولا تفتر. الجميع يدورون في فلك لاهث، يركضون كأنهم يفر...