وداع الفرشاة الأولى
من عاداتي القديمة، التي لم أجد لها يومًا تفسيرًا واضحًا، أنّني منذ بدأت الرسم، لم أرْمِ فرشاة واحدة قطّ. كنتُ كلّما انتهيت من لوحة، أمسح طرف الفرشاة بقطعة قماشٍ، ثم أضعها في إناءٍ كبيرٍ إلى جوار أخواتها. حتى الفُرش اليابسة، تلك التي تصلّبت أطرافها من طول الغياب، كنت أُبقيها معي كأشياءٍ لها ذاكرة. كنتُ أشعر أنّ في كلّ واحدةٍ منها شيئًا من قلبي، أثرَ لمسةٍ، أو لحظةٍ لن تتكرّر. وكنتُ أُضمر في نفسي أمنيةً غريبة، أن أحصي يومًا عدد الفرش التي عبرت حياتي، كأنّني أُحصي بها سنيّ وعمري، أو أُقيس بها مقدار ما سكبت من روحي على القماش. امتلأ الإناء الأول، ثم الثاني، فالثالث، حتى غدت غرفتي حديقةً من ريشٍ ملوّنٍ، تتناثر فيها أزهار الألوان كما تتناثر المواسم في قلب الإنسان. كنتُ كلّما نظرت إليهم، شعرتُ بكلّ خيبةٍ وسرورٍ وسهرٍ طويلٍ ظللتُ فيه أطارح الألوان همومي وأحلامي، وأحسست بلذّة الإنجاز، ودفء الحميمية التي لا يعرفها إلا من عاش الفنّ كما يُعاش الحُبّ، بكلّ ما فيه من شغفٍ وتعبٍ ووجعٍ جميل. ولم يكن حالي مع الفُرش بأغرب من حالي مع ألواح الخشب التي كنت أخلط عليها ألواني، ولا مع الأنابيب التي كانت...