Posts

البَحْتة

  لم يكن الشتاء في صغري فصلًا تُقاس شدّتُه بميزان الحرارة، ولا تُعرَف حدّتُه بما تأتي به درجات البرد، بل كان حالًا من أحوال النفس، تُدرَك برائحةٍ خفيّةٍ تسري في الجو سريان الروح في الجسد؛ رائحةُ الأرز بالحليب، إذا فاض من قدره في مطبخنا الضيّق، فملأ أرجاء الدار دفئًا، كأنّ للدفء صورةً تُرى، ورائحةً تُحَسّ. كان أبي إذا أقبل المطر، أو اشتدّ لفحُ البرد، نهض إلى قدره، يغسل حبّات الأرز بيدٍ رفيقة، كأنّه يُطهّرها من قسوة العالم، ثم يُفيض عليها الحليب، ويقيم عليها حارسًا صابرًا، لا يبرحها، كأنّ في غليانها سرّ طمأنينتنا، وفي هدوئها سكينة أرواحنا. ولم يكن يصنعها على نسقٍ واحد، بل كان يُدخل عليها من خياله ما يشاء، حتى غدت “البَحْتة”—كما نسمّيها نحن—وصفةً لا تُحفظ مقاديرها، إنّما روحٌ تُورث، ونفحةٌ تُلتقط، ومعنى يُعاش. وفي صدر غرفة الجلوس، كان لدينا مدفأةٌ صغيرة، كأنها قلب البيت النابض؛ لا نتركها خاليةً يومًا، فإن خلا سطحها من شيءٍ بدا المكان موحشًا، كأنّ الدفء نفسه قد هجره. فكنا نُؤنسها بما يليق بها: كستناءً تتقشّر على النار، أو بطاطًا حلوةً تصطبر في حرارتها، أو إبريق شايٍ يتصاعد بخاره كأنفاس...

الاستعارة السابعة: ألفُ طريقٍ ومسطرةٌ واحدة

  عند أطراف البلاد، في مدينةٍ قديمةٍ جدًا تبدو كما لو أنّها وُلدت قبل اللغة، لم تكن الطرق تمهّد بالآلات أو الطوب والحصى، إنّما تُنشأ بالأقدام؛ كأنّ الأرض لا تعترف بالمارّين إلا إذا أوجعوها بخطاهم، ولا تبوح بأسرارها إلا لمن ألحّ عليها بالسير وألحَّت عليه بالتعب. وعلى باب المدينة يقف رجلٌ واحد، لا يشيخ ولا يتحرّك، الوقوف هو صيغته في الوجود. خلفه خريطة عظيمة، وأمامه مسطرة طويلة. وجهه باهتٌ كغبارٌ طال مقامه حتى تشكّل على هيئة إنسان، وعيناه جامدتان لا تسألان ولا تجيبان. حضوره ثقيلٌ صامت، كنسمات الهواء الحارّ في الصحراء. لم يمنع أحد من الخروج من المدينة، ولم يكن يدلّ السّائرين التائهين، وإنما كان يتبع الناس بنظره وهم يبتعدون، يحفظ طريقهم، ثم يعود إلى خريطته، فيرسم في هدوءٍ مساراتهم بريشةٍ سوداء. يضيف لكل خطوةٍ خطّ، ولكل تردّدٍ انحناءة، ولكل توقّفٍ بياضٌ مريب لا يفسّره العقل. وكانت الخريطة تتبدّل مع الأيام؛ تتّسع إذا كثُر الخارجون، وتتشابك إذا اضطربت القلوب والاتجاهات، وتضيق إذا غلب الخوفُ على العزم. صحيح أن الأرض لا تتغير، ولا تختلف بالحجم أو الاتّساع، لكن النّفوس لا تثبت على حال. يمضي ا...