Posts

يا رب

لا أريدُ من الدنيا شيئًا، سوى أن أخرجَ منها خفيفَ القلب، سليمَ الروح، غيرَ مثقَلٍ بندمٍ ولا مكسورٍ بخيبة، وأن أمضي إلى الله كما يمضي الغريبُ إلى وطنه الأول، لا يحملُ معه إلا دعاءً صادقًا، ونيّةً لا تعرفُ الانكسار. يا ربِّ، إنّي أسيرُ في طريقٍ لا أرى آخره، طريقٍ تتنازعه الظلالُ والضوء، ويُكثر فيه الالتباس حتى يضيع منّي يقيني أحيانًا، فأعود إليك عودةَ من لا ملجأ له سواك، ولا سندَ له إلا رحمتك. يا ربِّ، إنّي لا أطلبُ من الحياة كثيرًا، ولكنّي أطلبُ منك أن تُمسك بيدي حين تضعف، وأن تردَّ قلبي إليك حين يتيه، وأن تُعلّمني كيف أمضي ولا أنهار، وكيف أبتسمُ رغم ثقل ما لا يُقال. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تجعلني أُدبّر أمري وحدي، فأنا أعرفُ نفسي حين تُتركُ لها، أعرفُ تشتّتَها، وتقلّبها، وضعفها أمام أول امتحان. فكن أنت لي حين أغيب عن نفسي، وحين أنسى الطريق، وحين أظنّ أنني قويٌّ وأنا في الحقيقة أضعفُ مما أظن. يا ربِّ، إن الطريق طويل، والزاد قليل، والقلبُ يتعبُ من كثرة ما يرى وما لا يفهم، لكنّي أمضي لأنّي ألوذُ بك وحدك، وأعلمُ أنّ من سار إليك لم يَضِع، ولو ضلّ كلّ العالم من حوله. يا ربِّ، إ...

عينان خارج النظام

Image
منذ صغري كنت كلّما دخلت مكانًا جديدًا نظرت للأعلى لأتأمّل السقف، وأراقب الأضواء والثّريات، ثم أنظر إلى الأسفل لأُناظر نقوش الأرض والبلاط.  فلما كبرتُ، ومضت بي الأسفارُ تفتح لي من الدنيا أبوابًا، صرتُ أقف أمام القباب والأسقف وقوفَ المتأمل المأخوذ، أُحدّق فيها كما يُحدّق الغريب في وجه وطنٍ لا ينتمي إليه بعد. أراها في المتاحف، وفي المساجد، وفي الكنائس، بل وفي بيوت الناس البسطاء على اختلاف ألسنتهم وألوانهم،   ومهما تقلّبت بي الخطى، وجدتُ عينيّ تنحدران إلى الأرض انحدارَ الساجد، ثم ترتفعان إلى السقف ارتفاعَ الداعي، كأنّ في أعماقي آمرًا خفيًّا لا يأذن لي أن أغفل عن هاتين الجهتين، ولا أن أمرّ بهما مرور الغافلين. هي عادةٌ لو عرضتُها على العقول لعدّتها غرابةً من غرائب السلوك، ولكنّها عندي صارت طبعًا لا يُفارقني، وسِمَةً لا أتنصّل منها.  فإذا سألني سائل—وما أكثرهم—عن سرّ هذا الافتتان بما فوقي وما تحتي، قلت: إنّي لا أنظر نظرَ العابر، بل أُطيل الوقوف على الأثر، أستنطق الحجر، وأستفهم الجصّ، وأقرأ في البلاط ما خطّته يد الإنسان يوم أراد أن يخلّد حكايتَه حيثما مرّ. إنّ الإنسان—منذ فجره ال...

البَحْتة

  لم يكن الشتاء في صغري فصلًا تُقاس شدّتُه بميزان الحرارة، ولا تُعرَف حدّتُه بما تأتي به درجات البرد، بل كان حالًا من أحوال النفس، تُدرَك برائحةٍ خفيّةٍ تسري في الجو سريان الروح في الجسد؛ رائحةُ الأرز بالحليب، إذا فاض من قدره في مطبخنا الضيّق، فملأ أرجاء الدار دفئًا، كأنّ للدفء صورةً تُرى، ورائحةً تُحَسّ. كان أبي إذا أقبل المطر، أو اشتدّ لفحُ البرد، نهض إلى قدره، يغسل حبّات الأرز بيدٍ رفيقة، كأنّه يُطهّرها من قسوة العالم، ثم يُفيض عليها الحليب، ويقيم عليها حارسًا صابرًا، لا يبرحها، كأنّ في غليانها سرّ طمأنينتنا، وفي هدوئها سكينة أرواحنا. ولم يكن يصنعها على نسقٍ واحد، بل كان يُدخل عليها من خياله ما يشاء، حتى غدت “البَحْتة”—كما نسمّيها نحن—وصفةً لا تُحفظ مقاديرها، إنّما روحٌ تُورث، ونفحةٌ تُلتقط، ومعنى يُعاش. وفي صدر غرفة الجلوس، كان لدينا مدفأةٌ صغيرة، كأنها قلب البيت النابض؛ لا نتركها خاليةً يومًا، فإن خلا سطحها من شيءٍ بدا المكان موحشًا، كأنّ الدفء نفسه قد هجره. فكنا نُؤنسها بما يليق بها: كستناءً تتقشّر على النار، أو بطاطًا حلوةً تصطبر في حرارتها، أو إبريق شايٍ يتصاعد بخاره كأنفاس...

الاستعارة السابعة: ألفُ طريقٍ ومسطرةٌ واحدة

  عند أطراف البلاد، في مدينةٍ قديمةٍ جدًا تبدو كما لو أنّها وُلدت قبل اللغة، لم تكن الطرق تمهّد بالآلات أو الطوب والحصى، إنّما تُنشأ بالأقدام؛ كأنّ الأرض لا تعترف بالمارّين إلا إذا أوجعوها بخطاهم، ولا تبوح بأسرارها إلا لمن ألحّ عليها بالسير وألحَّت عليه بالتعب. وعلى باب المدينة يقف رجلٌ واحد، لا يشيخ ولا يتحرّك، الوقوف هو صيغته في الوجود. خلفه خريطة عظيمة، وأمامه مسطرة طويلة. وجهه باهتٌ كغبارٌ طال مقامه حتى تشكّل على هيئة إنسان، وعيناه جامدتان لا تسألان ولا تجيبان. حضوره ثقيلٌ صامت، كنسمات الهواء الحارّ في الصحراء. لم يمنع أحد من الخروج من المدينة، ولم يكن يدلّ السّائرين التائهين، وإنما كان يتبع الناس بنظره وهم يبتعدون، يحفظ طريقهم، ثم يعود إلى خريطته، فيرسم في هدوءٍ مساراتهم بريشةٍ سوداء. يضيف لكل خطوةٍ خطّ، ولكل تردّدٍ انحناءة، ولكل توقّفٍ بياضٌ مريب لا يفسّره العقل. وكانت الخريطة تتبدّل مع الأيام؛ تتّسع إذا كثُر الخارجون، وتتشابك إذا اضطربت القلوب والاتجاهات، وتضيق إذا غلب الخوفُ على العزم. صحيح أن الأرض لا تتغير، ولا تختلف بالحجم أو الاتّساع، لكن النّفوس لا تثبت على حال. يمضي ا...