Posts

الاستعارة السابعة: ألفُ طريقٍ ومسطرةٌ واحدة

  عند أطراف البلاد، في مدينةٍ قديمةٍ جدًا تبدو كما لو أنّها وُلدت قبل اللغة، لم تكن الطرق تمهّد بالآلات أو الطوب والحصى، إنّما تُنشأ بالأقدام؛ كأنّ الأرض لا تعترف بالمارّين إلا إذا أوجعوها بخطاهم، ولا تبوح بأسرارها إلا لمن ألحّ عليها بالسير وألحَّت عليه بالتعب. وعلى باب المدينة يقف رجلٌ واحد، لا يشيخ ولا يتحرّك، الوقوف هو صيغته في الوجود. خلفه خريطة عظيمة، وأمامه مسطرة طويلة. وجهه باهتٌ كغبارٌ طال مقامه حتى تشكّل على هيئة إنسان، وعيناه جامدتان لا تسألان ولا تجيبان. حضوره ثقيلٌ صامت، كنسمات الهواء الحارّ في الصحراء. لم يمنع أحد من الخروج من المدينة، ولم يكن يدلّ السّائرين التائهين، وإنما كان يتبع الناس بنظره وهم يبتعدون، يحفظ طريقهم، ثم يعود إلى خريطته، فيرسم في هدوءٍ مساراتهم بريشةٍ سوداء. يضيف لكل خطوةٍ خطّ، ولكل تردّدٍ انحناءة، ولكل توقّفٍ بياضٌ مريب لا يفسّره العقل. وكانت الخريطة تتبدّل مع الأيام؛ تتّسع إذا كثُر الخارجون، وتتشابك إذا اضطربت القلوب والاتجاهات، وتضيق إذا غلب الخوفُ على العزم. صحيح أن الأرض لا تتغير، ولا تختلف بالحجم أو الاتّساع، لكن النّفوس لا تثبت على حال. يمضي ا...

وداع الفرشاة الأولى

  من عاداتي القديمة، التي لم أجد لها يومًا تفسيرًا واضحًا، أنّني منذ بدأت الرسم، لم أرْمِ فرشاة واحدة قطّ. كنتُ كلّما انتهيت من لوحة، أمسح طرف الفرشاة بقطعة قماشٍ، ثم أضعها في إناءٍ كبيرٍ إلى جوار أخواتها. حتى الفُرش اليابسة، تلك التي تصلّبت أطرافها من طول الغياب، كنت أُبقيها معي كأشياءٍ لها ذاكرة. كنتُ أشعر أنّ في كلّ واحدةٍ منها شيئًا من قلبي، أثرَ لمسةٍ، أو لحظةٍ لن تتكرّر. وكنتُ أُضمر في نفسي أمنيةً غريبة، أن أحصي يومًا عدد الفرش التي عبرت حياتي، كأنّني أُحصي بها سنيّ وعمري، أو أُقيس بها مقدار ما سكبت من روحي على القماش. امتلأ الإناء الأول، ثم الثاني، فالثالث، حتى غدت غرفتي حديقةً من ريشٍ ملوّنٍ، تتناثر فيها أزهار الألوان كما تتناثر المواسم في قلب الإنسان. كنتُ كلّما نظرت إليهم، شعرتُ بكلّ خيبةٍ وسرورٍ وسهرٍ طويلٍ ظللتُ فيه أطارح الألوان همومي وأحلامي، وأحسست بلذّة الإنجاز، ودفء الحميمية التي لا يعرفها إلا من عاش الفنّ كما يُعاش الحُبّ، بكلّ ما فيه من شغفٍ وتعبٍ ووجعٍ جميل. ولم يكن حالي مع الفُرش بأغرب من حالي مع ألواح الخشب التي كنت أخلط عليها ألواني، ولا مع الأنابيب التي كانت...

سرُّ الطّيران

Image
كثيرًا ما دارت بي الأفكار مؤخّرًا كالفَلك، تطوف حول المعاني ولا تمسّها، وتتراءى لي الحكايات كنجوم أنظر إليها ولا أطولها. قلت: سأكتب عن فتى يطحن القهوة بين السندويتشات ليوقظ عقله من ضجيجه، أو عن فتاة علِقت في طفولتها، لأنّ منزل الدمى لا يزال يتّسع لها. هممتُ أن أكتب عن عمّان، حين يتهامس الشارعُ بالحكايات مساء الخميس، عن الحنين الذي يقف على أرصفة الذكرى، يستجدي ظلًّا مرّ من هنا أو هناك، وصعدتُ جبلًا، لأكتب القصة هناك، بعدما رفضت اللغةَ النزول من عليائها. فكرت، ثم فكرت، ثم ظللت أفكر كما تدور الكواكب حول شمسها… لا تقترب، ولا تنأى. غابت الشمس، وطلعت، وما زلت أدور حول النص الذي يأبى أن يولد. كأنّه وَحيٌ أبت اللغة أن تناله، أو قداسةٌ لا تُكتب على عجل. إنني لا أفتقر إلى الفكرة، بل أحملها في صدري كما يحمل المؤمن دعاءه في جوف الليل، لكنها ليست فكرة تُكتب على عجل، هي نورٌ على نور، ومقامٌ لا يليق به إلا وضوء الحرف. وأخشى إن كتبت، أن أُفسد عليه طهارته، أو أن أُدنّس بنقص العبارة تمام المعنى. فما أعانيه ليس قلّة في ما أُريد قوله، بل خشية أن يخرج ناقصًا، فتكسِر لغتي ما لا يقبل الانكسار. وأذكر… كأنّ ال...

أبوابٌ لها أبواب

مرّ وقتٌ طويل على آخر مرّة أمسكت فيها القلم وشرعتُ بالكتابة، لكنّي اليوم نفضت الغبار عن أوراقي وكلماتي وجئت أكشفُ لكم شيئًا متعبًا وحزينًا على غير العادة. في طفولتي، كانت العودة إلى المنزل دائمًا فعلًا بسيطًا ومريحًا. كنت أسير بجانب والديّ، يدي الصغيرة تمسك بأيديهما، متسابقةً مع إخوتي بحماسٍ للدخول إلى البيت. ولكن عندما نصل إلى الباب، كان هناك شيء غريزي يدفعني للتراجع خطوة إلى الوراء، والوقوف بصمتٍ، لأترك لوالديّ الفرصة لفتح الباب أولًا. كانا يخرجان المفاتيح من جيوبهما، أصابعهما تلامس المعدن البارد للمفاتيح، وبسلاسةٍ متمرّسةٍ، كانا يفتحان الباب، يتركوننا ندخل إلى المنزل، ثم يغلقان الباب خلفنا. لم أفكر كثيرًا في ذلك حينها. كان الأمر مجرّد جزءٍ من الحياة اليوميّة، ولكن مع مرور الوقت، بدأ المعنى وراء هذا الفعل الصغير، الذي لم أكن ألاحظه، يتكشّف لي ويطفو على سطح أفكاري. إن هناك فنًا لفتح الأبواب، وهو شيء لم أفهمه تمامًا إلا عندما كبرت. في طفولتي، كان الباب دائمًا مدخلًا للدفء، للأمان، للمنزل، ولكن مع تقدّم العمر، أصبح نفس الباب شيئًا أثقل بكثير—شيئًا رمزيًا. لم يكن الأمر مجرد فتح باب للدخو...

الخلود

Image
إنها فكرة غريبة، أليس كذلك؟ أن يتحدّى كائنٌ ما الموت، ليس من خلال السحر أو الأساطير البعيدة، بل بطريقة صامتة وهادئة لا يُلاحظها أحد. —قنديل البحر الخالد، أو كما يُسمى علميًا (Turritopsis dohrnii)، اكتشف طريقًا للهروب من قبضة الزّمن، متجنبًا النّهاية الحتمية التي نواجهها جميعًا. لا يقاوم الزمن بضجيج وصخب، بل يتجاوزه بسكون، مستديرًا إلى الوراء ليعود إلى شبابه، وكأن الحياة ليست خطًا مستقيمًا، بل دائرة غير مُنتهية. جوهر هذا التمرّد على الزمن هو عملية تُدعى التحول الخلوي أو التمايز المتبادل (Transdifferentiation). هذه ليست مجرد عملية إصلاح أو تجدد، بل هي فعل من العصِيان، تحول عميق يعيد تعريف جوهر الحياة نفسها. تحدث هذه العملية عندما تقرر خلية ناضجة تمامًا التخلّي عن هويتها، وتتحول إلى شيء جديد كلّيًا، وكأنها تثور ضد قدرها. إنها ليست محاولة لشفاء الخليّة؛ إنها أعمق من ذلك. إنها إعادة كتابة للذات، تجردٌ كامل من ما كان لتصبح شيئًا جديدًا. بالنسبة لـقنديل البحر الخالد، هذه العملية هي مفتاح خلوده. عندما يواجه خطرًا أو ضغوطًا أو حتى يمرّ بعمليّة الشيخوخة الطبيعية، يقوم بتفعيل هذه العملية. الخلايا...