Posts

سارِقة الأعمار

  كثيرًا ما تحدّث الناس عن الغربة، كتبتُ أنا عنها سابقًا، ولطالما جادت قرائح الشعراء بدموع الفراق وزفرات الاشتياق، فصوّروا لنا النوى كأنه جدار من المسافات يفصل بين جسد المغترب وظله في وطنه. كانوا يقولون أنّ الغربة لوعة تشب في الصدر كلما غربت شمس، أو أطلّ هلال، أو عدّ العادّ فروق التوقيت بين قلبين يفصل بينهما المحيط. لكن ما كتموه عنا، أو لعلهم لم يدركوه أن الفاجعة الكبرى في الغربة ليست في قسوة الحنين المُحرق، وإنّما في "عجلة الزمن الطاحنة" التي تجرف العمر جرفًا، وتسرق من الإنسان وعيه بأيامه وسنينه. كنت أظن أن الساعة هي الساعة في كل صقع من أصقاع الأرض، شقاؤها واحد ودقائقها ستون. لكني لفيت هنا زمنًا غير الذي عهدت؛ كأن عقارب الساعات هنا قد أُشربت روحًا من الجمر، فهي تفر فرار السهم من الرمية. الدقيقة تمضي كلمحة البرق، واليوم يمر كأنه ساعة من نهار، والشهور تتلاحق متأبّطةً الفصول، فلا يكاد المرء يستقبل ربيعًا حتى يلفح وجهه زمهرير الشتاء. هنا، في كل لحظة تمر وكل ثانية تنقضي، يولد حدث جديد، ويفور العالم من حولك بحركة مستمرة لا تهدأ ولا تفتر. الجميع يدورون في فلك لاهث، يركضون كأنهم يفر...

إنّي أحبّك

  تُبارزني بكلماتك وتظنّ أنّك في اللغة مغوار، مسكينٌ لست تدري أنّي بالحرفٍ أشكّل تيّار ، القلم سيفي، واللفظُ سوطي وأمامي لا شكّ، تنهار، اللغة تعرفُ أهلها، والكلمات عندي دومًا زوّار،  دع عنّك عباءتك، وأنزِل درعك، لا تكن للوقت مهدار، لا تبتئس، لن أؤذيك، لا والله، لستُ بجبّار، لا تُشعل حربًا بيننا، إنّي أحبّك، وليس بين المحبّين أسرار، تعال أكتبُ لك الشّعرَ، وأتلو عليك من الغزل أنهار، أمسحُ عن جبينك التّعب وأهدمُ ما بيننا من أسوار ، وأرفع عن قلبك الألم، ويصبح فؤادك للحبّ دار ، وأحمل رأسك على كتفي حتّى يصل ذهنك إلى استقرار، وأمسكُ يدك، لتكون عن قسوة الدنيا اعتذار، وأجمعُ فيك ارتباكي إذا ما تكسّرَ منّي الوقار، وأغسلُ عنك ارتيابَ الليالي إذا أطفأتْ فيك النهار، وأزرعُ فيكَ الأمانَ إذا ما اشتد بصدركَ الحصار، وأصغي إليكَ إذا تهاوى فيك الصمتُ بينَ سماءٍ وغار، وأكتبُ اسمكَ بينَ الضلوعِ كأنّي أعلّقُهُ على الجِدار، فلا يُمحى، لا يُرى غيرُهُ، لا يزولُ ولو طالَ الانتظار، وأجعلُ منكَ الوطنَ المستحيلَ إذا ضاقَ في الأرضِ مسار، وأجعلُ منّي إليكَ الطريقَ إذا أغلقتْ كلُّها الأقدار، أُقبّلُ تعبَك إن...

يا رب

لا أريدُ من الدنيا شيئًا، سوى أن أخرجَ منها خفيفَ القلب، سليمَ الروح، غيرَ مثقَلٍ بندمٍ ولا مكسورٍ بخيبة، وأن أمضي إلى الله كما يمضي الغريبُ إلى وطنه الأول، لا يحملُ معه إلا دعاءً صادقًا، ونيّةً لا تعرفُ الانكسار. يا ربِّ، إنّي أسيرُ في طريقٍ لا أرى آخره، طريقٍ تتنازعه الظلالُ والضوء، ويُكثر فيه الالتباس حتى يضيع منّي يقيني أحيانًا، فأعود إليك عودةَ من لا ملجأ له سواك، ولا سندَ له إلا رحمتك. يا ربِّ، إنّي لا أطلبُ من الحياة كثيرًا، ولكنّي أطلبُ منك أن تُمسك بيدي حين تضعف، وأن تردَّ قلبي إليك حين يتيه، وأن تُعلّمني كيف أمضي ولا أنهار، وكيف أبتسمُ رغم ثقل ما لا يُقال. اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تجعلني أُدبّر أمري وحدي، فأنا أعرفُ نفسي حين تُتركُ لها، أعرفُ تشتّتَها، وتقلّبها، وضعفها أمام أول امتحان. فكن أنت لي حين أغيب عن نفسي، وحين أنسى الطريق، وحين أظنّ أنني قويٌّ وأنا في الحقيقة أضعفُ مما أظن. يا ربِّ، إن الطريق طويل، والزاد قليل، والقلبُ يتعبُ من كثرة ما يرى وما لا يفهم، لكنّي أمضي لأنّي ألوذُ بك وحدك، وأعلمُ أنّ من سار إليك لم يَضِع، ولو ضلّ كلّ العالم من حوله. يا ربِّ، إ...

عينان خارج النظام

Image
منذ صغري كنت كلّما دخلت مكانًا جديدًا نظرت للأعلى لأتأمّل السقف، وأراقب الأضواء والثّريات، ثم أنظر إلى الأسفل لأُناظر نقوش الأرض والبلاط.  فلما كبرتُ، ومضت بي الأسفارُ تفتح لي من الدنيا أبوابًا، صرتُ أقف أمام القباب والأسقف وقوفَ المتأمل المأخوذ، أُحدّق فيها كما يُحدّق الغريب في وجه وطنٍ لا ينتمي إليه بعد. أراها في المتاحف، وفي المساجد، وفي الكنائس، بل وفي بيوت الناس البسطاء على اختلاف ألسنتهم وألوانهم،   ومهما تقلّبت بي الخطى، وجدتُ عينيّ تنحدران إلى الأرض انحدارَ الساجد، ثم ترتفعان إلى السقف ارتفاعَ الداعي، كأنّ في أعماقي آمرًا خفيًّا لا يأذن لي أن أغفل عن هاتين الجهتين، ولا أن أمرّ بهما مرور الغافلين. هي عادةٌ لو عرضتُها على العقول لعدّتها غرابةً من غرائب السلوك، ولكنّها عندي صارت طبعًا لا يُفارقني، وسِمَةً لا أتنصّل منها.  فإذا سألني سائل—وما أكثرهم—عن سرّ هذا الافتتان بما فوقي وما تحتي، قلت: إنّي لا أنظر نظرَ العابر، بل أُطيل الوقوف على الأثر، أستنطق الحجر، وأستفهم الجصّ، وأقرأ في البلاط ما خطّته يد الإنسان يوم أراد أن يخلّد حكايتَه حيثما مرّ. إنّ الإنسان—منذ فجره ال...

البَحْتة

  لم يكن الشتاء في صغري فصلًا تُقاس شدّتُه بميزان الحرارة، ولا تُعرَف حدّتُه بما تأتي به درجات البرد، بل كان حالًا من أحوال النفس، تُدرَك برائحةٍ خفيّةٍ تسري في الجو سريان الروح في الجسد؛ رائحةُ الأرز بالحليب، إذا فاض من قدره في مطبخنا الضيّق، فملأ أرجاء الدار دفئًا، كأنّ للدفء صورةً تُرى، ورائحةً تُحَسّ. كان أبي إذا أقبل المطر، أو اشتدّ لفحُ البرد، نهض إلى قدره، يغسل حبّات الأرز بيدٍ رفيقة، كأنّه يُطهّرها من قسوة العالم، ثم يُفيض عليها الحليب، ويقيم عليها حارسًا صابرًا، لا يبرحها، كأنّ في غليانها سرّ طمأنينتنا، وفي هدوئها سكينة أرواحنا. ولم يكن يصنعها على نسقٍ واحد، بل كان يُدخل عليها من خياله ما يشاء، حتى غدت “البَحْتة”—كما نسمّيها نحن—وصفةً لا تُحفظ مقاديرها، إنّما روحٌ تُورث، ونفحةٌ تُلتقط، ومعنى يُعاش. وفي صدر غرفة الجلوس، كان لدينا مدفأةٌ صغيرة، كأنها قلب البيت النابض؛ لا نتركها خاليةً يومًا، فإن خلا سطحها من شيءٍ بدا المكان موحشًا، كأنّ الدفء نفسه قد هجره. فكنا نُؤنسها بما يليق بها: كستناءً تتقشّر على النار، أو بطاطًا حلوةً تصطبر في حرارتها، أو إبريق شايٍ يتصاعد بخاره كأنفاس...