هروبي إلى المنفى
عدتُ إلى الأردن في زيارةٍ خاطفة؛ ظننتُ أنني لن أقتطع لها من عمري سوى أيام معدودة، فإذا بها تنتزع مني شهرًا كاملًا، فقط لأستوعب حجم ما أحدثَتْه في داخلي. كان في صدري ازدحامٌ من المشاعر العصية على التسمية، وكأن العودة قد شرّعت في روحي أبوابًا كثيرة في لحظة واحدة، ثم تركتني واقفةً في المهبّ؛ لا أدري أيّ أبوابها أدخل، وأيّها أُغلق. ولجتُ البيت الذي أودعتُ فيه خمسةً وعشرين عامًا من حياتي، فإذا بي أراه للمرة الأولى: كان أصغر مما اختزنَتْه الذاكرة؛ السقف أكثر دنوًّا، الأبواب أوطأ، ومفاتيح الضوء قد اختلفت، حتى السجاد بدا غريبًا في موقعه. تفاصيل صغيرة لا تستوقِفُ العابرين، لكنها حين احتشدت أمامي، شعرت فعلًا أنّه مرّ وقتٌ طويل! وقفتُ أنظر إلى أركان البيت وكأن بيني وبينه جدارًا من زجاج خفيّ؛ أراه وأعرفه، لكنني لا ألمس فيه أثري القديم. لبرهة، خالَ لي أنني أعيش حلمًا، أو أنني أطوف في نسخةٍ مصطنعة من حياتي الأولى؛ نسخةٍ تشبهها في كل شيء، إلا أنها مجرّدة من الروح التي كُنْتُها. لم تَمْضِ سوى ساعات حتى آلَفْتُ المكان مجددًا، وكأن عامي المنصرم قد مُحي من الذاكرة بضربةٍ واحدة. كأنني ما غادرتُ قط. ...