عينان خارج النظام
منذ صغري كنت كلّما دخلت مكانًا جديدًا نظرت للأعلى لأتأمّل السقف، وأراقب الأضواء والثّريات، ثم أنظر إلى الأسفل لأُناظر نقوش الأرض والبلاط. كبرت، ومهما تقلّبت بي الخطى، وجدتُ عينيّ تنحدران إلى الأرض انحدارَ الساجد، ثم ترتفعان إلى السقف ارتفاعَ الداعي، كأنّ في أعماقي آمرًا خفيًّا لا يأذن لي أن أغفل عن هاتين الجهتين، ولا أن أمرّ بهما مرور الغافلين. هي عادةٌ لو عرضتُها على العقول لعدّتها غرابةً من غرائب السلوك، ولكنّها عندي صارت طبعًا لا يُفارقني، وسِمَةً لا أتنصّل منها. فإذا سألني سائل—وما أكثرهم—عن سرّ هذا الافتتان بما فوقي وما تحتي، قلت: إنّي لا أنظر نظرَ العابر، بل أُطيل الوقوف على الأثر، أستنطق الحجر، وأستفهم الجصّ، وأقرأ في البلاط ما خطّته يد الإنسان يوم أراد أن يخلّد حكايتَه حيثما مرّ. إنّ الإنسان—منذ فجره الأوّل—ليس بمخلوقٍ صامت، وإن جهل الكتابة دهورًا؛ فقد عرف النقش قبل القلم، والرمز قبل البيان، فجعل من الجدران صحائف، ومن الأسقف سماءً أخرى، ومن الأرض سجلًّا لا يمحوه الزمان. أولئك القوم الذين عمروا الأرض قبلنا، لم يرضَوا أن يذوبوا في العدم، فخطّوا على الحجارة سِيَرهم، وزيّنوا س...