الاستعارة السابعة: ألفُ طريقٍ ومسطرةٌ واحدة
عند أطراف البلاد، في مدينةٍ قديمةٍ جدًا تبدو كما لو أنّها وُلدت قبل اللغة، لم تكن الطرق تمهّد بالآلات أو الطوب والحصى، إنّما تُنشأ بالأقدام؛ كأنّ الأرض لا تعترف بالمارّين إلا إذا أوجعوها بخطاهم، ولا تبوح بأسرارها إلا لمن ألحّ عليها بالسير وألحَّت عليه بالتعب. وعلى باب المدينة يقف رجلٌ واحد، لا يشيخ ولا يتحرّك، الوقوف هو صيغته في الوجود. خلفه خريطة عظيمة، وأمامه مسطرة طويلة. وجهه باهتٌ كغبارٌ طال مقامه حتى تشكّل على هيئة إنسان، وعيناه جامدتان لا تسألان ولا تجيبان. حضوره ثقيلٌ صامت، كنسمات الهواء الحارّ في الصحراء. لم يمنع أحد من الخروج من المدينة، ولم يكن يدلّ السّائرين التائهين، وإنما كان يتبع الناس بنظره وهم يبتعدون، يحفظ طريقهم، ثم يعود إلى خريطته، فيرسم في هدوءٍ مساراتهم بريشةٍ سوداء. يضيف لكل خطوةٍ خطّ، ولكل تردّدٍ انحناءة، ولكل توقّفٍ بياضٌ مريب لا يفسّره العقل. وكانت الخريطة تتبدّل مع الأيام؛ تتّسع إذا كثُر الخارجون، وتتشابك إذا اضطربت القلوب والاتجاهات، وتضيق إذا غلب الخوفُ على العزم. صحيح أن الأرض لا تتغير، ولا تختلف بالحجم أو الاتّساع، لكن النّفوس لا تثبت على حال. يمضي ا...