الاستعارة السابعة: ألفُ طريقٍ ومسطرةٌ واحدة

 

عند أطراف البلاد، في مدينةٍ قديمةٍ جدًا تبدو كما لو أنّها وُلدت قبل اللغة، لم تكن الطرق تمهّد بالآلات أو الطوب والحصى، إنّما تُنشأ بالأقدام؛ كأنّ الأرض لا تعترف بالمارّين إلا إذا أوجعوها بخطاهم، ولا تبوح بأسرارها إلا لمن ألحّ عليها بالسير وألحَّت عليه بالتعب.


وعلى باب المدينة يقف رجلٌ واحد، لا يشيخ ولا يتحرّك، الوقوف هو صيغته في الوجود. خلفه خريطة عظيمة، وأمامه مسطرة طويلة. وجهه باهتٌ كغبارٌ طال مقامه حتى تشكّل على هيئة إنسان، وعيناه جامدتان لا تسألان ولا تجيبان. حضوره ثقيلٌ صامت، كنسمات الهواء الحارّ في الصحراء.


لم يمنع أحد من الخروج من المدينة، ولم يكن يدلّ السّائرين التائهين، وإنما كان يتبع الناس بنظره وهم يبتعدون، يحفظ طريقهم، ثم يعود إلى خريطته، فيرسم في هدوءٍ مساراتهم بريشةٍ سوداء.

يضيف لكل خطوةٍ خطّ، ولكل تردّدٍ انحناءة، ولكل توقّفٍ بياضٌ مريب لا يفسّره العقل.


وكانت الخريطة تتبدّل مع الأيام؛ تتّسع إذا كثُر الخارجون، وتتشابك إذا اضطربت القلوب والاتجاهات، وتضيق إذا غلب الخوفُ على العزم. صحيح أن الأرض لا تتغير، ولا تختلف بالحجم أو الاتّساع، لكن النّفوس لا تثبت على حال. يمضي الناس في دروبهم، كلٌّ خلف مساعيه، ويقف رجل المسطرة ليحصي خطاهم، ويسجّل حيرتهم، ويعلم أن ما حسبوه ضياعًا سيُسمّى عند عودتهم إلى المدينةِ تقصيرًا في المسير.


فإذا عادوا، عادوا متفرّقين، وكلٌّ يحمل في صدره ما لا يُرى: منهم من يعود خفيف النفس، كأنه ألقى عن كتفيه عبئًا قديمًا. ومنهم من يعود مثقلًا، لأن الطريق ردّ إليه ما حاول الهرب منه. فإذا وقفوا بين يدي الرجل، لم يسألهم عمّا رأوا ولا عمّا فقدوا، بل رفع مسطرته، وقاسهم في صمت، ثم قال ببرود:

هذا مناسب، وهذا أقصر مما يجب.

ثم يطوي مسطرته، ويسكت، ويترك نظره معلّقًا في الفراغ.


مرّة من ذات المرّات، خرجت فتاةٌ شابّة في الصّباح من المدينة، وقد ضاق صدرها بالطرق المألوفة، فاختارت لنفسها مسلكًا لم تطأه قدم من قبلها قط. كان طريقًا ضيّقًا، كثير الانعطاف، كأن السائر فيه يدور حول نفسه. كانت إذا خافت جلست حتى تستردّ شجاعتها، وإذا أعياها التعب مالت عن الدرب قليلًا، ثم عادت إليه.


فلما رجعت إلى المدينة، عاد معها مغيب الشمس، وفي عينيها نظرةٌ جديدة فرحة، لأنّها رأت مسارًا جديدًا من مسارات الحياة.


فقاسها الرجل وقال: أقصر ممّا يجب.

لم تقل شيئًا، 

ومضت.


وفي اليوم التالي خرجت ثانية، بدأت تمشي بلا اكتراث ودون تردد، سارت حتى دخلت غابةً مقلوبة؛ جذورها في الهواء، وأغصانها في الأرض. مشت على الظلال، وسمعت أنين الأوراق تتكسّر تحت خطاها. إذا رفعت رأسها رأت التراب، وإذا خفضته رأت السماء، حتى اضطرب عندها معنى الاتجاه، وضاعت عنها المدينة.


ففكّرت طويلًا، ثم قرّرت أن تفعل كما تفعل الغابة:

تمشي بالمقلوب، تخفض رأسها حين يجب رفعه، وترفعه حين يجب خفضه، ولا تسأل عن الطريق، بل تترك قدماها تتّبعان ما يخالف العادة.


وسارت زمنًا لا تحصيه الساعات، حتى استقرّ الظلّ، وعاد للأرض ثقلها، وبان باب المدينة أخيرًا آخر الدرب.


فلما رجعت، كانت أبطأ مشيةً، لكن أثبت وقفةً.

قاسها الرجل، وقال: أقصر ممّا يجب.

فصمتت، وسرحت في عينيها قليلًا.

ومضت..


وفي المرة الثالثة خرجت تمشي على غير سنن السائرين؛ جعلت ظهرها إلى الأمام، وخطت إلى الخلف، كأنما تُعرض عن القادم لتواجه ما مضى، وكأن الطريق لا يُفهَم إلا إذا سُلك من جهته المنسيّة.


وفي تلك اللحظة، ارتبك صاحب المسطرة وهو يخطّ مسارها. توقّفت ريشته فوق الخريطة، وتردّد الخطّ تحت يده، إذ لم يعرف كيف يرسم مسارًا يسير إلى الوراء. انحنى الأثر، وانكسر اتجاهه، وبقي في الخريطة انحناءٌ غريب. حيث يبدو أن الطريق نفسه قد التفت على معناه.


كانت الفتاة تتقدّم وهي تتراجع، سارت بالعكس حتى بلغت بحيرةً مليئة بالساعات؛ تعمل وتتوقّف، تطفو وتغوص، وتتنفّس كما لو أنّها صدر الزمن. كلما وطئت فوق ساعةً سمعت كسرًا في الوقت. رأت صباها على ضفّة، ورأت شيخوخةً لم تأتِ بعد على أخرى. جلست طويلًا، ثم صنعت قاربًا من عقارب الساعات، وسارت ببطء، تجذّف في العمر وتفكّر، كيف يمكن للإنسان أن يعبر عمره كلّه… دون أن يصل متأخّرًا إلى نفسه؟ 


ثم عادت إلى المدينة، وفي عينيها حزنٌ ساكن.

قاسها الرجل، وقال: أقصر ممّا يجب.


فنظرت إليه طويلًا، وقالت لأول مرة: أقصر من ماذا؟


فلم يُجب.


وفي تلك اللحظة عاد رجلٌ آخر، مستقيم الهيئة، طيّب الرائحة، خفيف الخطو.

قاسه صاحب المسطرة، وقال:مناسب.


فدخل مسرعًا، لا يلتفت إلى الوراء.


نظرت إليه المرأة بعينين مفتوحتان حتى أقصى مداهما، لم تتفوه بشيء،

ومضت 


 لكن خرجت رابعةً.


وفي المرة الرابعة لم تجد طريقًا أصلًا. كانت الأرض صلبة لا تقبل أثرًا. لا يمكن لها أن تخطّ عليها طريقًا بأقدامها، جلست، ثم حفرت بيديها، حفرت حتى نزفت، وحتى صار التراب المتراكم على أهدابها دليلًا  على صبرها. صنعت من الألم اتجاهًا، وسارت حيث لا طريق، بيد أنَها هذه المرة كانت متعبة كثيرًا فلم تُطل الرحلة.


فلما عادت، كانت محنيّة الظهر، مثقلةَ الكتفين، عليها آثار الجراح، والحقيقة أنها كانت تبدو أقصر فعلًا هذه المرة.


قاسها صاحب المسطرة وقال مجددًا:

أقصر مما يجب.


فنظرت إليه وصرخت:

أقصر من ماذا!

فلم يُجب.


فالتفتت إلى الخريطة خلفه، وتأمّلت خطّها الملتوي، المتشعّب، المحفور، وقالت بغضب: لكن هذا طريقي!..


فقال دون أن يرفع رأسه: "ليس للطريق ملكيّة."


وقبل أن تمضي، التفتت إليه وقالت: "وأنت… كم طريقًا سلكت؟"


سكت طويلًا، ثم نظر إلى المسطرة في يده كأنها أوّل مرة يراها، وقال في صوتٍ خافت: "لم أخرج."


"إذًا كيف تقيس الآخرين من عتبةٍ لم تعبرها من قبل قط!" صرخت والتعب يملأ صوتها.. 

ودون أن تلتفت إلتفاتة واحدة للوراء،

مضت.


ومع الأيام ازدحمت الخريطة بالمسارات؛ منها ما تشابك، ومنها ما انقطع، ومنها ما انتهى عند بابٍ لم يُفتح. وكان الرجل كلما خطّ مسارًا جديدًا ازداد وجهه ضيقًا، لأن الخريطة تكبر…

والمسطرة لا تتبدّل.


 استقرت الفتاة في بيتها عدة أيام لترتاح من عبئ رحلاتها الشاقة، وبقي رجل المسطرةِ وحده، واقفًا بين الخريطة والمسطرة، لأول مرة لا يعرف إلى أيّهما ينتمي.


ومنذ تلك الليلة الّتي واجهته فيها الفتاة، لم يذق للنوم طعمًا؛ ظلّت الطرق التي رسمها للناس تعود إليه في المنام، تتشابك تحت قدميه، وتضيق حول صدره، كأنها تسأله عمّا لم يسأل نفسه عنه قطّ: " ما هو مساري؟" ظل يهمهم في نومه..


صار يعدّ الأيام كما كان يعدّ خطى الآخرين، ويخطّ في ذهنه رحلةً لم يعرف كيف تبدأ. كان يقيس المسافة بينه وبين الباب، كلّ يوم، ثم يعود، حيث يبدو أن المسطرة أثقل من أن تُحمل خارج موضعها.

تردّد كثيرًا، وخاف أكثر؛ فالخروج ليس مجرّد خطوات يمشيها على الأرض، إنما هو خللٌ في المعنى الذي عاش عليه عمرًا.


ومضت ليالٍ وهو يُقنع نفسه أن الغد أصلح، أو أن بعد غد قد يكون مشرقًا أكثر، ومناسبًا للبتّ بقرارٍ جديد. قال مرّةً أن الطريق لا يهرب، وأخرى أنّ قدماه بلا شكّ لن تغادراه في الصباح. باتت أفكاره تحوم في رأسه كأنها سربٌ من نحلٍ أو ذبابٍ ربّما، حتى ضاق به الوقوف على باب المدينة كما ضاق الناس من قبل بقياسه لهم.


وفجأةً، جمع ما بقي له من شجاعة، وترك المسطرة معلّقة على الجدار، ومشى نحو الباب.

فلما بلغ العتبة، توقّف.

رفع قدمه الأولى، فخطا خطوة.

ثم الثانية…

فتجمّد.


لم يكن خائفًا، لكن يبدو 

أن القدم التي لم تُدرَّب على الرحيل،

لا تعرف كيف تغادر.


وقف طويلًا، حتى حسبه العابرون جزءًا من الباب، ثم طال وقوفه حتى نسي نفسه.

ومع انقضاء الأيام، تغيّر شكله ببطءٍ لا يُرى؛

أصبح أثقل،

بدأ ينحني،

شييًا فشيئًا،

واستوى،

تحوّل إلى عتبة.

داسه المارّون حتى أصبح جزءًا من الطريق.

عبروا فوق ما لم يجرؤ يومًا على العبور.

وبقيت المسطرة على باب المدينة،

طولها كما هو،

لكنها لم تعد تقيس أحدًا.


بعد عدّة أيام، خرجت الفتاة مرةً أخرى من المدينة.

لم تكن تبحث عن طريق جديد، فقد صارت الطرق تأتيها لوحدها بعد أن حفظتها عن ظهر قلب.

فلما بلغت الباب، تعثّرت فجأةً، سقطت على العتبة سقوطًا حادًّا. وضعت يدها على الحجر، فمرّ في جسدها بردٌ قديم، بردٌ يشبه العتاب الطويل.


 صحيح أنّها تعثّرت، لكن على الأقل صارت تعرف الآن أن ألم الضياع في الرحلة، لهو أقلّ وطأةً على النفس من ألم الوقوع والاستسلام أمام العتبة الأولى. 


رفعت رأسها، لم ترَ صاحب المسطرة على الباب، لكن مسطرته معلّقة على الجدار. جلست لحظة، ونظرت حولها لتفهم ما حصل.


ثم نهضت، ومسحت الغبار عن كفّيها،

وتركت العتبة خلفها،

تجاوزتها بخفّة،

ومضت.

Comments

Popular posts from this blog

سرُّ الطّيران

أبوابٌ لها أبواب

تعال