الاستعارة الأولى-الرّجل الّذي زرع نفسه
في قلب مدينةٍ مترامية الأطراف، تجرّأ رجلٌ على كسرِ حدود الفكر التقليدي، مقتنعًا بأن مصيره يكمن تحت الأرض، بأن يزرع نفسه ويكون شجرة، بعد أن شعرَ طوال عمره بأنّه لا ينتمي للإنسان، ولم تكفه الحياةُ فوق الأرض، إذ أنّه ما وجد عليها راحةً أو ركنًا يكون لهُ منزلًا. لم تثنه سخرية وشكوك سكّان المدينة عن ذلك، فحفر خندقًا عملاقًا في مركز المدينة، وغرس نفسه فيه، وأبرز رأسه فقط بتحدٍ فوق الأرض.
ترددت توسلاته الواثقة والمزعجة عبر المدينة، فكان ينادي المارّة أن يسقوه، حتّى يشهدوا تحوّل بذوره إلى شجرة مهيبة. ذابت الأيام في شهور، وبشكل مذهل، بدأت أغصان رقيقة تتشابك من رأسه.
مع انطلاق الأغصان الخضراء، صمت المستهزئون، وحلّت الرهبة والإعجاب مكان ضحكاتهم. الرجل الذي كان يُسخر منه في السابق، أصبح الآن رمزًا وشهادةً ملموسة على قوّة الإيمان غير التّقليدي، الضحك الذي كان يطارده في السابق انحنى الآن أمام عظمة تحوله الشّجري. أصبح رمزًا حيًا على الطرق غير المتوقعة التي تكشف فيها الحياة عن أسرارها. وأصبحت أغصانه ملاذًا للطيور، وصنعت السناجب أعشاشًا بين أوراق الشجر، وارتقى وجوده إلى فوق العادي.
ومع ذلك، كلما زاد حجمه، زاد تعقيد وجوده الجديد. أصبح الاقتراب من الرجل الشجرة عملاً محفوفًا بالخوف بعد أن غَرق بانتصاره السّاخر. صوته، الذي كان في السابق توسلاً للرزق، الآن يزمجر بنارِ المرارةِ والغضب، وهو يصد من يجرؤون على اللجوء تحت أغصانه، ويطرد من يقتربُ منه من حيوانات، مانعًا إيّاهم من اتخاذه موطنًا أو ملاذًا، تمرًدًا على الوطن الّذي ما احتواه فوق الأرض.
ثم جاء الشتاء، موسم الحساب. المدينة التي اكتست بالصقيع، انسحبت إلى جدرانها، واختبأ أهلها كلٌّ في بيته، منكبًّا على عائلته، متلحّفًا بدفئ الرّضى، ومتوسّدًا راحة الحب. أمّا أوراق الشجرة الوافرة، فذبلت وسقطت، وتكسّرت أغصانها، لتكشف عن تحول الرجل الشّجرة في هشاشة صارخة، إلى كائنٍ وحيدٍ، ضعيفٍ، يقف وحوله ما تبقّى من الأغصان العارية، في صورةِ جذعٍ وحيدٍ يخلّد الطبيعة العابرة للمجد.
بكت السماء، ليس بدافع الشفقة، ولكن في اعترافٍ مؤثّرٍ برحلة الرجل. تساقطت قطرات المطر، مثل الدموع عليه، مقدمةً له القوت لترويه، لكنها فشلت في إطفاء الظمأ الوجودي الّذي في داخله؛ حيث لم يصارع العزلة الجسدية فحسب، بل أيضًا الوحدة العميقة لروح معلقة بين عالمين.
في النهاية، وصلت الملحمة الأسطورية للرجل الشجرة إلى ذروتها، رجل الشجرة، انهار ومات، جذعًا كاملاً سقط على الأرض، في مشهدٍ سرياليٍّ، اكتشف النّاس أنّه لم يضرب جذوره بالأرض ليثبّت نفسه، وأنّه احتفظَ بجسدهِ البشريّ مخبّئًا إيّاه تحت الأرض، فبدا لهم كم هو مستحيلٌ أن يتخلّى المرء عن جوهره الإنسانيّ، إذ هو لم ينهَر تحت وطأة السّخرية، ولا قسوةِ البردِ، بل تحت صمت العزلة العظيم، وألمِ الوحدة الضّارية، أمام نسيج الوجود الضّخم.
Comments
Post a Comment