وداع الفرشاة الأولى

 


من عاداتي القديمة، التي لم أجد لها يومًا تفسيرًا واضحًا، أنّني منذ بدأت الرسم، لم أرْمِ فرشاة واحدة قطّ. كنتُ كلّما انتهيت من لوحة، أمسح طرف الفرشاة بقطعة قماشٍ، ثم أضعها في إناءٍ كبيرٍ إلى جوار أخواتها. حتى الفُرش اليابسة، تلك التي تصلّبت أطرافها من طول الغياب، كنت أُبقيها معي كأشياءٍ لها ذاكرة. كنتُ أشعر أنّ في كلّ واحدةٍ منها شيئًا من قلبي، أثرَ لمسةٍ، أو لحظةٍ لن تتكرّر.


وكنتُ أُضمر في نفسي أمنيةً غريبة، أن أحصي يومًا عدد الفرش التي عبرت حياتي، كأنّني أُحصي بها سنيّ وعمري، أو أُقيس بها مقدار ما سكبت من روحي على القماش. امتلأ الإناء الأول، ثم الثاني، فالثالث، حتى غدت غرفتي حديقةً من ريشٍ ملوّنٍ، تتناثر فيها أزهار الألوان كما تتناثر المواسم في قلب الإنسان. كنتُ كلّما نظرت إليهم، شعرتُ بكلّ خيبةٍ وسرورٍ وسهرٍ طويلٍ ظللتُ فيه أطارح الألوان همومي وأحلامي، وأحسست بلذّة الإنجاز، ودفء الحميمية التي لا يعرفها إلا من عاش الفنّ كما يُعاش الحُبّ، بكلّ ما فيه من شغفٍ وتعبٍ ووجعٍ جميل.


ولم يكن حالي مع الفُرش بأغرب من حالي مع ألواح الخشب التي كنت أخلط عليها ألواني، ولا مع الأنابيب التي كانت تعتصر نفسها لتمنحني ما أرسم به الحياة. كنتُ أكنّ احترامًا خاصًّا لأدوات رسمي، وأتعامل معها كما يتعامل جدّي مع الرسائل القديمة؛ لا يقرأها كلّ يوم، ولكنّه لا يجرؤ على تمزيقها، ولا يسمح لأحد بالاقتراب منها. أحنو عليها وأحفظها، وأرى في كلّ بقعة لونٍ بقايا من وجدٍ قديم، وفي كلّ أنبوبٍ جافّ أثرَ معركةٍ بين الفنّ والزمن. كنت أقول: “لقد أعطتني ما عندها، فكيف أجحدها بعد العطاء؟"


بيد أنّ اليوم كان يوم الوداع، يومًا حزينًا كأنّه جنازةُ مرحلةٍ من عمري. لقد آن أوان التّخلي، أمسكتُ فراشيّ الجافّة واحدةً تلو الأخرى، ووضعتها في صندوقٍ ببطئ وحذر، بيدٍ ترتجف، وعينٍ دامِعة، وتنفّستُ كأنّني أُفرّغ قلبي من نبضه. فرّقتُ أنابيبي، وودّعتُ لوحاتي الصامتة، وشعرتُ كأنّني أُقتلع من أرضٍ اسمتها ملجئي.


حين انتهيت، نظرت إلى الطاولة، إلى المساحة الفارغة الّتي كانت تضجّ يومًا بالألوان والفوضى الجميلة، فشعرتُ بأنّ شيئًا منّي قد انكسر. كان صمتي آنذاك صمتَ من فقدَ وطنًا لا حدود له، وطنًا من الذكريات والملمس والرائحة والضوء.


كنتُ أظنّ أنّ الأشياء الجامدة لا ذاكرة لها، وأنّ الفُرش والألوان ليست سوى أدواتٍ بين يديّ، حتى أدركتُ الآن أنّها كانت تحفظني أكثر مما أحفظها. لقد شهدت تلك الفُرش ضعفي وأنا أرتجف أمام اللوحات، وسمعت تنهيدات التعب حين أعجز عن مزج لونٍ يناسب ما في داخلي. كانت تعرفني بصمتي أكثر من البشر، وتُصغي إليّ من غير أذنٍ  وتُحاكيني بلا لسان. لذلك، حين قرّرتُ أن أرميها، شعرت كأنّني أخون من صدّقني في صمتي، وأقطع آخر خيطٍ بيني وبين ذلك الإنسان الذي كنتُه قبل أن تتبدّل الملامح والأحلام.


كنتُ أرى في أدواتي الفنية امتدادًا لي، كأنّ كل فرشاةٍ كانت إصبعًا من أصابعي، وكل لونٍ ظلًّا من انفعالاتي التي لم أجرؤ على البوح بها. وحين كنتُ أخلط الألوان على لوح الخشب، كنتُ في الحقيقة أخلط أيّامي ببعضها؛ أفراحي بخيباتي، ونوري بعتمتي، حتى يصير اللون النهائي شبيهًا بي، لا يمكن فصله إلى عناصره الأولى. كنتُ أرسم لأتذكّر، ثم أرسم لأنسى، ثم أرسم لأنّني لا أعرف كيف أعيش من غير ذلك الطقس الذي يشبه الصلاة. وحين ألقيتُ اليوم بتلك الأدوات بعيدًا، أدركتُ أنّ الفنّ لا يُختزل في الأشياء، بل في الأثر الذي يتركه فينا بعد أن نُغادره. إنّ كلّ لوحةٍ رسمتها كانت تدريبًا على الفقد، وكل فرشاةٍ جفّت كانت درسًا في معنى الزوال. وربّما لم أكن أحتفظ بها لأنّني أحبّها، بل لأنّني كنتُ أخشى أن أواجه نفسي بلاها، مجرّدةً من رموزي الصغيرة التي كانت تُعطيني وهم البقاء.


فما الإنسانُ في نهاية الأمر إلّا حفنةَ ذكريات، إن سُلِبتْ منه سُلبتْ منه روحه. والذكريات، لا تُقاس بالزمن بل بما تركته فينا من أثرٍ. وإنّني اليوم إذ أنظر إلى طاولتي الخالية، أشعر أنّ شيئًا منّي قد غاب، وأنّ الفراغ الذي خلّفه رحيلهم أكبر من أن يُملأ بالبدائل من البشر.


أغلقتُ النافذة، نظرتُ إلى الغرفة الخالية مرّة أخيرة، وابتسمتُ ابتسامةً صغيرةً لم أعرف معناها تمامًا. ربما كانت وداعًا، وربما كانت بدايةً جديدة. أو كما يبدو أنّ الذكريات لا تعيش في الأشياء الّتي نملكها، بل لأنّنا نحن الذين نُسكنها فيها. وما إن نتحرّر من حاجتنا إليها، حتى تعود تلك الذكريات لتستقرّ في مكانها الأصيل… في القلب، لا في الأشياء.

Comments

Popular posts from this blog

سرُّ الطّيران

أبوابٌ لها أبواب

تعال