عينان خارج النظام




منذ صغري كنت كلّما دخلت مكانًا جديدًا نظرت للأعلى لأتأمّل السقف، وأراقب الأضواء والثّريات، ثم أنظر إلى الأسفل لأُناظر نقوش الأرض والبلاط. كبرت، ومهما تقلّبت بي الخطى، وجدتُ عينيّ تنحدران إلى الأرض انحدارَ الساجد، ثم ترتفعان إلى السقف ارتفاعَ الداعي، كأنّ في أعماقي آمرًا خفيًّا لا يأذن لي أن أغفل عن هاتين الجهتين، ولا أن أمرّ بهما مرور الغافلين. هي عادةٌ لو عرضتُها على العقول لعدّتها غرابةً من غرائب السلوك، ولكنّها عندي صارت طبعًا لا يُفارقني، وسِمَةً لا أتنصّل منها. 


فإذا سألني سائل—وما أكثرهم—عن سرّ هذا الافتتان بما فوقي وما تحتي، قلت: إنّي لا أنظر نظرَ العابر، بل أُطيل الوقوف على الأثر، أستنطق الحجر، وأستفهم الجصّ، وأقرأ في البلاط ما خطّته يد الإنسان يوم أراد أن يخلّد حكايتَه حيثما مرّ.


إنّ الإنسان—منذ فجره الأوّل—ليس بمخلوقٍ صامت، وإن جهل الكتابة دهورًا؛ فقد عرف النقش قبل القلم، والرمز قبل البيان، فجعل من الجدران صحائف، ومن الأسقف سماءً أخرى، ومن الأرض سجلًّا لا يمحوه الزمان. أولئك القوم الذين عمروا الأرض قبلنا، لم يرضَوا أن يذوبوا في العدم، فخطّوا على الحجارة سِيَرهم، وزيّنوا سقوفهم بصور آلهتهم وأحلامهم، فصدق حدسهم، إذ ما زلنا نطأ آثارهم، نرفع أبصارنا إلى ما علّقوه فوقنا من نجومٍ مصنوعة، ونخفضها إلى ما فرشوه تحتنا من نقوشٍ باقية، فنقرأ تاريخهم بعيوننا إلى الآن.


وهكذا غدت الأرض والسقف صفحتين من كتاب الإنسان، تُرويان بما هو أبلغ من الكلام: بالإيمان، والهوية، والعناد الجميل في وجه النسيان.

ولئن تبدّلت العصور، ولبسنا ثوب الحداثة، فما زال فينا من أولئك القوم أثرٌ لا يُمحى. هذا البلاط في المحطات، وهذه الشقوق في الطرقات العتيقة، وتلك الزخارف المتواضعة في سقف مقهى صغير—كلّها شواهد على أنّ الإنسان لم يكفّ عن كتابة نفسه، ولو في أبسط الأشياء، وكأنّه يخشى أن تمرّ به الحياة فلا تترك له أثرًا.


مرة كنت أشرح فلسفتي لصديقتي الّتي لا تفتأ تبتسم من ولعي، فقالت لي أنّ الإغراق في النظر إلى الأعلى والأسفل لا يورث إلا وجع الرقاب، وعثار الأقدام. وهي في بعض قولها مُصيبة؛ فقد تعثّرتُ غير مرّة، واشتكت عنقي ممّا أحمّلها من هذا الولع. غير أنّي أرى في ذلك ثمنًا يسيرًا أؤدّيه لقاء لذّةٍ لا يعرفها إلا من تعلّم أن يُبصر ما يُغفله الناس.


وما يدهشني حقًّا ليس النظر ذاته، بل هذه الثنائية العجيبة: الأرض والسقف. فالأرض مهد الخطى ومثواها، فيها تنغرس الجذور، ومنها يستمدّ الكائن ثباته؛ أمّا السقف، فنافذة الروح، وأفق الحلم، ودعوةٌ صامتة إلى الارتقاء. هما معًا يُذكّران الإنسان بحقيقته المزدوجة: جسدٌ يمسّ التراب، وروحٌ تنازع إلى السماء.


فإذا نظرتُ إلى سقفٍ—سواء أكان آيةً في الفنّ أم نقشًا بسيطًا—شعرتُ كأنّي أتصل بشيءٍ يتجاوز حدود ذاتي، كأنّ في هذا الارتفاع سرًّا من أسرار التطلّع الإنساني إلى ما هو أسمى، ومحاولةٍ دائمةٍ لتحويل العاديّ إلى خارق. وإذا نظرتُ إلى الأرض، رأيتُ فيها صدى الحياة، وبصمات من مرّوا قبلي، وتركوا على ترابها دليلًا على أنّهم كانوا هنا يومًا.


ولعلّ في هذه العادة بحثًا خفيًّا عن توازنٍ مفقود؛ فالأرض تشدّني إلى الحاضر بما فيه من اضطرابٍ وجمال، والسقف يرفعني إلى عالم الإمكان، حيث ما لم يكن يمكن أن يكون. بينهما أمشي، كأنّي أعيش في شدٍّ وجذبٍ بين ما أنا عليه، وما أرجو أن أكونه.


غير أنّ بصري لا يقف عند حدّ الأرض والسقف؛ فقد كان لي منذ الصغر شغفٌ بالسماء، كنتُ أُحدّق فيها طويلًا، مؤمنةً براءة الأطفال، أنّ من يُكثر النظر إليها تنبت له يومًا جناحان، ليحلّق ويطير. وكم جلستُ الساعات، أرقب الغيوم، كأنّي أترقّب منها سرًّا، أو أنتظر منها وعدًا. ولم تزل تلك الدهشة الطفولية تسكنني، ولو أن الجميع يقول لي أن هذه الفكرة خاطئة، وأنه لن ينبت لي جناحان. 


غير أنّ النظر إلى السماء لم يكن يومًا طلبًا لأجنحة، بل كان بحثًا عن فسحةٍ أوسع للأمل، عن أفقٍ لا تضيق به الروح.


وأكاد أوقن أنّ أولئك الذين يرفعون أبصارهم إلى العلا، إنّما يطيرون على نحوٍ آخر؛ تحرّكهم أحلامهم، وتحملهم احتمالاتٌ لا نهاية لها. فلعلّ سرّ النظر—إلى الأرض، أو السقف—أن نتعلّم كيف نسير على التراب، وأرواحنا معلّقةٌ بالغيم؛ أن نُبصر الجمال فيما بين أيدينا، ونستشعر الشجاعة فيما ينتظرنا.


ولعلّ الحقيقة التي يلوح طيفها في نهاية هذا التأمّل، أنّ السرّ ليس في أن نطير، بل في أن ننهض كلّما سقطنا، وأن نقف كلّما أثقلتنا الأرض، وأن نمضي—رغم كلّ شيء—مرفوعي الرؤوس، كأنّ فينا شيئًا من السماء لا يرضى بالانكسار.


وفي نهاية هذا التأمّل، لا أقول إنّي عرفتُ سرّ الأرض والسماء، ولكنّي أقول إنّي فهمتُ شيئًا من سرّي أنا: أنّني كائنٌ لا يكتمل إلا بالبحث، ولا يطمئنّ إلا حين يظلّ سائرًا بين السؤال والسؤال، كأنّ الحياة نفسها طريقٌ لا ينتهي، يُكتب في كلّ خطوة، ويُمحى في كلّ خطوة، ويظلّ رغم ذلك جديرًا بأن يُمشى.



2/12/2024



Comments

Popular posts from this blog

سرُّ الطّيران

البَحْتة

الاستعارة السابعة: ألفُ طريقٍ ومسطرةٌ واحدة