البَحْتة
لم يكن الشتاء في صغري فصلًا تُقاس شدّتُه بميزان الحرارة، ولا تُعرَف حدّتُه بما تأتي به درجات البرد، بل كان حالًا من أحوال النفس، تُدرَك برائحةٍ خفيّةٍ تسري في الجو سريان الروح في الجسد؛ رائحةُ الأرز بالحليب، إذا فاض من قدره في مطبخنا الضيّق، فملأ أرجاء الدار دفئًا، كأنّ للدفء صورةً تُرى، ورائحةً تُحَسّ.
كان أبي إذا أقبل المطر، أو اشتدّ لفحُ البرد، نهض إلى قدره، يغسل حبّات الأرز بيدٍ رفيقة، كأنّه يُطهّرها من قسوة العالم، ثم يُفيض عليها الحليب، ويقيم عليها حارسًا صابرًا، لا يبرحها، كأنّ في غليانها سرّ طمأنينتنا، وفي هدوئها سكينة أرواحنا. ولم يكن يصنعها على نسقٍ واحد، بل كان يُدخل عليها من خياله ما يشاء، حتى غدت “البَحْتة”—كما نسمّيها نحن—وصفةً لا تُحفظ مقاديرها، إنّما روحٌ تُورث، ونفحةٌ تُلتقط، ومعنى يُعاش.
وفي صدر غرفة الجلوس، كان لدينا مدفأةٌ صغيرة، كأنها قلب البيت النابض؛ لا نتركها خاليةً يومًا، فإن خلا سطحها من شيءٍ بدا المكان موحشًا، كأنّ الدفء نفسه قد هجره. فكنا نُؤنسها بما يليق بها: كستناءً تتقشّر على النار، أو بطاطًا حلوةً تصطبر في حرارتها، أو إبريق شايٍ يتصاعد بخاره كأنفاس الحنين، وكثيرًا ما كانت تحمل قدر الأرز بالحليب، يغلي على مهلٍ، كأنّه يُنضج فينا معنى الألفة قبل أن يُنضج نفسه.
وهكذا—ومن غير قصدٍ منه—صنع أبي طقوسًا صغيرةً، تسلّلت إلى أعماقي، فصارت جزءًا من تكويني؛ فلا أعرف الشتاء إلا بها، ولا أذوق الدفء إلا من خلالها، ولا أرى العالم—مهما اشتدّ قسوةً—إلا وفيه موضعٌ خفيٌّ للحنان من رائحة أبي.
⸻
ثم دارت بي الأيام دورتها، وألقت بي في غربةٍ بعيدة، لا أنيس فيها ولا جليس، حتى باغتني ذات ليلةٍ تعبٌ خفيف، نزلةُ بردٍ عابرة، لكنها أيقظت في نفسي وحشةً أثقل من المرض، وأمرّ من الألم. كان رمضان يمضي من حولي كخيالٍ بعيد، وكان العيد يلوح في الأفق بلا بهجته التي أعرفها، فشعرتُ أنّ البرد هذه المرّة لا يأتي من الهواء، بل من داخلي، من فجوةٍ في الروح لا يسدّها شيء.
وفي لحظةٍ لم أستأذن فيها إرادتي، نهضتُ إلى المطبخ عند الفجر، كأنّ يدًا خفيّةً تسوقني، وقرّرت أن أُعدّ البَحْتة. وقفتُ على النار، أرقب الحليب في صمته، فإذا بصوت أبي ينهض من ركام الذاكرة: “راقبيه حتّى لا يفور.” فارتجف قلبي؛ إذ لم يكن الحليب وحده الذي يخشى الفيض، بل كانت نفسي كلّها توشك أن تفيض، ذكرياتٌ تتزاحم، وأزمنةٌ تتصادم، حتى وجدتُني بين يديّ قدرًا صغيرًا، وفي صدري عمرًا كاملًا يغلي.
لم آكل منها إلا ملعقتين؛ ولكنّ شيئًا في الروح قد هدأ، كأنّ تلك الملعقتين لم تُشبعا جوعي، بل أسكتتا وجعي، وداوتا قلبي.
⸻
وصحيحٌ أنني قد عرفتُ في غربتي ألوانًا من الطعام لم أعرفها من قبل؛ جلستُ إلى موائد مترفة، ودخلتُ مطاعم تزدهي بما فيها، وتذوّقتُ أطباقًا كنتُ أظنّ أنّ بيني وبينها حجابًا من رهبةٍ أو نفور. فتبدّلت ذائقتي كما يتبدّل الإنسان حين يبتعد. أحببتُ ما كنتُ أكره، وألفتُ ما كنتُ أستوحش.
غير أنّ لي—في ختام كل يوم—طقسًا خفيًّا لا يراه أحد: أعود إلى وحدتي، فأصنع سندويشةً من الزعتر البلدي، ذاك الذي قُطف بيدٍ تُحبّني، وأسكب عليه زيت زيتونٍ أخرجته أرضي، ثم آكلها على مهلٍ، كأنّي أستعيد بها شيئًا تسرّب من بين يديّ خلال اليوم.
آكلها كل يوم، ولا تملّها نفسي، كأنّها ليست طعامًا، بل عهدًا لا ينقضي بيني وبين الوطن، وكنتُ—كلما قضمتُ منها—أسأل نفسي: أأشتاق إلى الطعام، أم إلى اليد التي صنعت هذا الطعام؟ فلا أجد جوابًا… لأنّ الاثنين عندي شيءٌ واحد.
أشتاق إلى مائدة أمي، ليس للأصناف، إنّما لما فيها من طمأنينة؛ أشتاق إلى كعك العيد، وللضحكاتٍ الّتي كانت تُخبَز معه؛ أشتاق إلى لمستها، إلى تلك البركة الخفيّة التي كانت تجعل من أبسط الأشياء دواءً، ومن أدناها شفاءً، إلى لمّة الأطفال الأشقياء حول المائدة، وإلى عراكهم للجلوس بجانبي.
⸻
قبل عدّة أيامٍ، ذهبتُ وأحمد إلى مدينةٍ بعيدة، غربة داخل غربة، غريبةٍ في ألفتها، كأنّها ظلٌّ باهت لمدنٍ سكنتني يومًا. رأيتُ فيها شيئًا من عمّان، وربما من إربد؛ في شمسها القويّةِ الّتي لا تُساوم، وفي صمتها الذي يمتدّ بلا نهاية. وعلى أطراف طرقها، قامت أشجار الزيتون في صمتٍ مهيب، مهملةً، لا تمتدّ إليها يد، كأنّها ذاكرةٌ ضلّت طريقها عن بلادي، فاستقرّت هنا غريبةً لا تعرف أهلها ولا يعرفونها.
فكان منظرها يبعث في نفسي حزنًا لا أفسّره؛ كأنّي أرى الوطن واقفًا أمامي، وأعجز عن الوصول إليه. غير أنّ في هذا الامتداد القاسي إشاراتٍ خفيّةً للحياة: ورقةً تلمع تحت الشمس، خيطَ نورٍ ينساب على وجهي، كأنّهما يدٌ رقيقةٌ تربّت على قلبي لتقول لي أن الوطن لا يزال قريبًا.
هناك، رأيتُ فتاةً تُشبه أختي، وأطفالًا يحملون ملامحها، ونباتاتٍ كثيرة تُعيد إليّ صورة أمي، وهي تمضي بين شتلاتها، ترعاها كما ترعى الأطفال؛ تضعها في موضعها، تُقرّبها من الشمس إن احتاجت، وتُدنيها من الظلّ إن أرهقها الضوء، وتضمّها إلى الدفء إذا اشتدّ البرد… كأنّها تفهم صمتها، وتُصغي إلى ما لا يُقال.
⸻
أكتب هذا كله وأنا معلّقةٌ بين سماءٍ وأرض، على متن طائرةٍ تعود بي إلى منزلي الصغير، وبين يديّ كوب قهوةٍ باردة الإحساس، لا حياة فيه ولا روح، أفكّر في نباتاتي التي تركتها خلفي أيّامًا بلا ماءٍ ولا شمس، فينقبض قلبي لقلقٍ صغير، لكنه عميق. فأبتسم… لأنّي أدرك أنّني لم أرث عن أبي وصفتة البحتةِ فحسب، ولا عن أمي حنانها وحبّها للنباتات، بل ورثتُ عنهما—وعن الوطن—شيئًا أعظم: هذا القلق، هذا الحرص، هذه القدرة العجيبة على أن نُحمّل الأشياء الصغيرة معنى الحياة كلّها.
إذ أنني كلما اشتدّ بي الشوق، لجأتُ إلى هذا التفاصيل الصغيرة، ألوذ بها كما يلوذ الطفل بثوب أمّه. أُعيد ترتيب أشيائي كما كانت في بيتنا القديم، أضع الفنجان في المكان الذي اعتاد أن يكون فيه، وأفتح النافذة في الوقت ذاته من النهار، وأترك ضوء الشمس يدخل كما كان يدخل… كأنّي أحاول أن أخدع نفسي، فأقنعها أنّ شيئًا لم يتغيّر، وأنّ العالم لا يزال كما كان.
بل تجاوزتُ ذلك إلى ما هو أدقّ وأخفى؛ فصرتُ أبحث في الأسواق عن أطباقٍ تُشبه تلك التي كانت على مائدتنا، وأقتني من الأواني ما يُحاكي أواني أمي. وحتى نباتاتي، أُقرّبها من الضوء كما كانت تفعل، وأخشى عليها العطش كما كانت تخشاه، غير أنّ القلب—وهو أصدق من الحواس—كان يدرك الحقيقة، فيزداد حنينًا على حنين.
لقد كنتُ أظنّ أنّ الوطن مكانٌ نعود إليه، أو خريطةٌ نُشير إليها، فإذا بي أراه اليوم شيئًا آخر؛ شيئًا يتقلّص في الظاهر، ويتّسع في الباطن، ينتقل من مدينةٍ إلى بيت، ومن بيتٍ إلى غرفة، ومن غرفةٍ إلى حقيبة سفرٍ صغيرة، لا تضمّ إلا ما يراه الناس تافهًا، ونراه نحن نجاة.
ولكنّ الحقيقة
أنّ الوطن لم يتقلّص قط…
بل تسلّل في أعماقنا،
حتى صرنا نحن الوطن،
وصار هو حيث نكون.
-سماء سان فرانسيسكو
٢٣/٣/٢٠٢٦
❤️
ReplyDeleteالوطن هو ألا يحدث ذلك كله
ReplyDelete