يا رب



لا أريدُ من الدنيا شيئًا، سوى أن أخرجَ منها خفيفَ القلب، سليمَ الروح، غيرَ مثقَلٍ بندمٍ ولا مكسورٍ بخيبة، وأن أمضي إلى الله كما يمضي الغريبُ إلى وطنه الأول، لا يحملُ معه إلا دعاءً صادقًا، ونيّةً لا تعرفُ الانكسار.

يا ربِّ، إنّي أسيرُ في طريقٍ لا أرى آخره، طريقٍ تتنازعه الظلالُ والضوء، ويُكثر فيه الالتباس حتى يضيع منّي يقيني أحيانًا، فأعود إليك عودةَ من لا ملجأ له سواك، ولا سندَ له إلا رحمتك.

يا ربِّ، إنّي لا أطلبُ من الحياة كثيرًا، ولكنّي أطلبُ منك أن تُمسك بيدي حين تضعف، وأن تردَّ قلبي إليك حين يتيه، وأن تُعلّمني كيف أمضي ولا أنهار، وكيف أبتسمُ رغم ثقل ما لا يُقال.

اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تجعلني أُدبّر أمري وحدي، فأنا أعرفُ نفسي حين تُتركُ لها، أعرفُ تشتّتَها، وتقلّبها، وضعفها أمام أول امتحان. فكن أنت لي حين أغيب عن نفسي، وحين أنسى الطريق، وحين أظنّ أنني قويٌّ وأنا في الحقيقة أضعفُ مما أظن.

يا ربِّ، إن الطريق طويل، والزاد قليل، والقلبُ يتعبُ من كثرة ما يرى وما لا يفهم، لكنّي أمضي لأنّي ألوذُ بك وحدك، وأعلمُ أنّ من سار إليك لم يَضِع، ولو ضلّ كلّ العالم من حوله.

يا ربِّ، إنّي أمشي متعثّر الخطى، أتعثرُ بالأسئلة أكثر مما أتعثرُ بالحجارة، وأحملُ في صدري الكثير، وفي عينيّ ما لا يُرى، ومع ذلك أقول: أنا عبدُك، وأنت ربّي، فاقبلني على ضعفي، ولا تُحاسبني على قلّة حيلتي، فأنا لا أملكُ من أمري إلا الدعاء.

اللهم نجّني مما أخاف وأحذر، واصرف عن قلبي ما لا طاقة له به، وعلّمني أن الخوف لا يدفع القدر، وأن الطمأنينة ليست غياب الألم، بل حضورك في القلب رغم الألم.

اللهم وفّقني لخير الأمور وأحبّها إليك، وإن لم أعرف أين الخير، فاختر لي أنت، فأنا لا أحسن الاختيار دائمًا، ولا أرى الصورة كاملة، لكنّي أؤمن أنّ يدك إذا دبرت، أمنتُ وإن خفت، واطمأننتُ وإن اضطربت.

اللهم اجعل لي من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل حيرةٍ نورًا، ومن كل سقوطٍ قيامًا جديدًا، ولا تجعلني أتعكّز على نفسي فأقع، بل اجعل اعتمادي عليك وحدك.

يا ربِّ، إنّي أعود إليك كلّ مرة، لأنّي كلما عرفتُ نفسي أكثر، ازددتُ يقينًا بأنّي لا أصلح إلا بك، ولا أُشفى إلا بك، ولا أستقيم إلا إذا أمسكتَ أنت بقلبي.

فالحمدُ لك يا ربِّ إذا امتلأ قلبي خوفًا، فوجدتُك أنت الأمانَ الذي لا يُشبهه أمان، وإذا ضاقت بي نفسي، وجدتُك أنت السعةَ التي لا يحدّها شيء، وإذا تاهت خطواتي، وجدتُك أنت الدليلَ الذي لا يضلّ.

الحمدُ لك يا ربِّ على ما أعطيتَني مما أحبّ، وعلى ما منعتَني مما رغبتُ فيه، وعلى ما أخّرتَ عني حتى ظننتُه حرمانًا، ثم اكتشفتُ أنّه كان لطفًا خفيًّا لا يُرى إلا بعد حين.

الحمدُ لك يا ربِّ لأنّي كلّما ظننتُ أنّني وحدي، كشفتَ لي أنّك أقربُ إليّ من نفسي، وكلّما ظننتُ أنّي سقطتُ، رفعتَني برحمةٍ لا أفهما.

الحمدُ لك يا ربِّ لأنّك لم تتركني كما أنا، بل كنتَ تُهذّبني بالابتلاء حينًا، وبالنعمة حينًا، وبالانتظار حينًا، حتى صرتُ أفهم شيئًا واحدًا: أنّني لا أصلح إلا بك.

الحمدُ لك يا ربِّ لأنّك حين تأخذ، لا تأخذ عبثًا، وحين تُعطي، لا تُعطي نقصًا، وحين تُدبّر، تُدبّر بحكمةٍ لو انكشفت لي لذاب قلبي طمأنينةً.

الحمدُ لك يا ربِّ على كلِّ لحظةٍ ظننتُ فيها أنّ الطريق انتهى، ثم وجدتُك تفتح لي طريقًا آخر مليء بالخير والسكينة.

لكَ الحمدُ يا ربِّ، كما تحبّ أن تُحمد، وكما يليقُ بجلالك، وكما تعلو على كلِّ وصفٍ ويقصرُ دونك كلُّ بيانٍ، وتبقى الأرواحُ وحدها تقفُ أمام عظمتك مبهوتةً، تدركُ من جلالك ما لا تُحسنُ اللغةُ قوله… ثم تسجد.

Comments

Popular posts from this blog

سرُّ الطّيران

البَحْتة

عينان خارج النظام