سارِقة الأعمار

 


كثيرًا ما تحدّث الناس عن الغربة، كتبتُ أنا عنها سابقًا، ولطالما جادت قرائح الشعراء بدموع الفراق وزفرات الاشتياق، فصوّروا لنا النوى كأنه جدار من المسافات يفصل بين جسد المغترب وظله في وطنه. كانوا يقولون أنّ الغربة لوعة تشب في الصدر كلما غربت شمس، أو أطلّ هلال، أو عدّ العادّ فروق التوقيت بين قلبين يفصل بينهما المحيط.


لكن ما كتموه عنا، أو لعلهم لم يدركوه أن الفاجعة الكبرى في الغربة ليست في قسوة الحنين المُحرق، وإنّما في "عجلة الزمن الطاحنة" التي تجرف العمر جرفًا، وتسرق من الإنسان وعيه بأيامه وسنينه.


كنت أظن أن الساعة هي الساعة في كل صقع من أصقاع الأرض، شقاؤها واحد ودقائقها ستون. لكني لفيت هنا زمنًا غير الذي عهدت؛ كأن عقارب الساعات هنا قد أُشربت روحًا من الجمر، فهي تفر فرار السهم من الرمية. الدقيقة تمضي كلمحة البرق، واليوم يمر كأنه ساعة من نهار، والشهور تتلاحق متأبّطةً الفصول، فلا يكاد المرء يستقبل ربيعًا حتى يلفح وجهه زمهرير الشتاء.


هنا، في كل لحظة تمر وكل ثانية تنقضي، يولد حدث جديد، ويفور العالم من حولك بحركة مستمرة لا تهدأ ولا تفتر. الجميع يدورون في فلك لاهث، يركضون كأنهم يفرون من قيام الساعة، في تيار جارف من البشر والآلات والمسؤوليات التي لا تعرف التوقف.

 إنها أرض لا ترحم المترددين، ولا تلتفت للمتعبين.


أنت في سباق محموم، لم تختر بدايته، ولا تدري أين أُقيمت غايته. رمشة عين واحدة في التوقيت غير الصحيح على الطريق السريع قد تفصلك عن الحياة، ورسالة إلكترونية تنسى الرد عليها قد تطيح بأمل انتظرته شهورًا، وموعد يفوتك بسبب التعب قد لا يتكرر أبدًا. لو أبطأت خطوك قليلاً لتستريح، أو أخذتك سِنة من الغفلة لتتأمل الدرب، لو ترددت للحظة واحدة، فلن تجد مكانًا للوقوف؛ بل ستتعثر فورًا بأقدام السائرين خلفك، لأن الإيقاع أسرع من أن يحتمل الالتفات.


فإن سقطت في هذا المضمار السريع، فلن تمتد إليك يدٌ لتنهضك، ولن يتوقف من أجلك أحد، ولن تجد عينًا واحدة تطرف عليك شفقة أو ندمًا. سيمر الجميع من فوقك وعنك، ويستمر كل شيء في المضي قدمًا ببرود كأنه لم يفقد شيئًا، تاركًا إياك خلف السيل الجارف، تصارع وحدك لتلحق بعالم أقسم ألا ينتظر أحدًا.


فجأة تحولت النفس البشرية في هذه الديار من اللطف الإنساني إلى آلة صماء تُدار بمواقيت دقيقة ونواقيس التنبيه. أصبحت الحياة رقمًا في أجندة، وموعدًا مدونًا على رقعة شاشة. غدت الروزنامة في يدي كخريطة نجاة لغريق في يمٍّ لجيّ، إن سقطت منه تاه في لجّة الضياع.


تنبيه لتجديد وثيقة، وآخر لدفع ضريبة، وثالث لموعد طبيب، ورابع لواجب أكاديمي، وخامس لمعاملة لم تعد تذكر اسمها أصلًا... فبين التنبيه والتنبيه، تموت لفتة الارتياح، وتندثر رفاهية الالتفات للوراء…


أين هذا كله من طمأنينة الأوطان؟ حين كان التعب يدركنا ونأوي إلى ركن شديد؛ إلى حضن أمٍّ تمسح بكفها الحانية على رؤوسنا المنهكة، فيذهب النصب مع رشفة كوب من الشاي، أو نجلس إلى صديق وفيّ يقتسم معنا هموم النفس فتهون. كنا نرجئ عمل اليوم إلى الغد، لأن الغد في أوطاننا كان يبدو دائمًا سمحًا، قريبًا، أليفًا، ومرحِّبًا.


أما هنا، فالتعب لا يوقف من أمر الدنيا شيئًا. الفواتير لا تؤجلها الحمّى، والجامعات لا تعنيها لوعة الحزين، والقطار الحثيث لا يتوقف لمواساة من انكسر قلبه. تمرض فتنجز ما عليك وأنت مريض، وتحزن فتبتسم رغمًا عنك لأن وراءك اجتماعًا بعد ساعة، وتشتاق فتقول لقلبك: إليك عني، فليس هذا أوان الاشتياق، يرن هاتفك فتجد اسم والدك يتصل ليطمئن عليك، تأخذ نفسًا قصيرًا تخفي خلفه رعشة البكاء في صوتك، وترد بأسعد مرحبًا قلتَها في حياتك.


ولعل أعجب ما يصيب المرء في هذا المنفى، أن الإنجازات الكبرى والأحلام التي أفنى زهرة شبابه في انتظارها، تأتي باهتة الخُطى، تمر كأنها طيف عابر. تحقق حلمك، فلا تجد من الوقت ساعة واحدة لتفرح به؛ إذ يلوح في الأفق فورًا بند جديد من التزامات الغد.


فجأة، تستيقظ فترى أن سنة كاملة قد اقتُطعت من عمرك، بل سنوات!

أن الفصل الدراسي انتهى.

أن موسمًا تغير.

وأنّ الأطفال الذين فارقتهم وهم غِراسٌ غَضّة قد طالت قاماتهم، واشتدت أعوادهم، فصاروا أطول قليلًا أو كثيرًا. 

وأن التجاعيد حول عيني والدتك قد ازدادت عمقًا وظهورًا، وخطّت يدا الزمان على وجهها الحاني سطورًا من التعب والانتظار لم تكن قبل رحيلك..


 وأنت لم تزل ترتب حقائبك، وترتب حياتك، وترتب غدك الذي لا يأتي.


إن الغربة لا تسلبنا الأوطان والخلّان فحسب، بل تسلبنا إحساسنا الفطري بالزمن. تجعلنا نسير في مناكب الأرض مكرهين، تحمل وطنًا في صدرك، وتخفي وراء ابتسامتك الواثقة حنينًا دافقًا إلى دقيقةٍ واحدة من دقائق الماضي.. دقيقةٍ لا تنبّهك فيها ساعة، ولا تطاردك فيها ورقة ما، بل تغفو فيها مطمئنًا كأن الزمان قد خُلق لأجلك، وكأن العالم بأسره قد توقف حبًا واحترامًا لاستراحتك.. 

Comments

Popular posts from this blog

البَحْتة

سرُّ الطّيران

عينان خارج النظام