Posts

Showing posts from September, 2026

سرّي الجميل

  تساورني بين الحين والحين رغبةٌ عارمة تجرّ قلمي جرًّا إلى الصحائف، ففي أعماقي حديثٌ لا يجد سبيله إلى السكون حتى يُلقى على الورق؛ فأودّ لو أبثّ العالم نبأنا، وأحدّث الناس طرًّا عن قصّتنا التي نُسجت خيوطها بين تضاعيف الزمان، أودّ لو أصرخ في هذا الفضاء الفسيح: كيف بدأت حكايتنا.. وأين التقت أواصرنا.. وكيف، بالرغم من فساحة هذا العالم واتساع أقطاره، وكثرة الوجوه التي تمرّ بنا ثم تمضي كأنها لم تكن، شاءت الأقدار أن نلتقي..كيف اجتمعت روحان كان يمكن لكلٍّ منهما أن يعيش عمره كاملًا دون أن يعرف أن في هذا العالم روحًا تشبهه إلى هذا الحد؟ وكيف استطاع شخصٌ لم يكن لي في أول الأمر إلا وجهٌ بين الوجوه، أن يصبح بعد ذلك وجهتي حين تضطرب بي الجهات، وصوتي حين يعجز لساني، وسكينتي حين تضيق بي الدنيا؟ أود أن أكتب كيف جاءت الحكاية في وقتٍ كانت فيه الأخبار تُحمل إلينا كأنّها نذرٌ تتعاقب، المسافات كانت طويلة لا نهاية لها، كنّا نرقب جمر الأخبار، وننتظر حركة الطيران بأفئدةٍ واجفة، تجثم عليها هيبة القلق ورهبة النوى، ونحسب الساعات، لنظفر بلقاءٍ عابر، بضع ساعاتٍ أو أيام، نجلس فيها متجاورين، ونستعيد شيئًا من الحياة...

وهم العودة

  عدتُ إلى الأردن في زيارةٍ خاطفة؛ ظننتُ أنني لن أقتطع لها من عمري سوى أيام معدودة، فإذا بها تنتزع مني شهرًا كاملًا، فقط لأستوعب حجم ما أحدثَتْه في داخلي. كان في صدري ازدحامٌ من المشاعر العصية على التسمية، وكأن العودة قد شرّعت في روحي أبوابًا كثيرة في لحظة واحدة، ثم تركتني واقفةً في المهبّ؛ لا أدري أيّ أبوابها أدخل، وأيّها أُغلق. ولجتُ البيت الذي أودعتُ فيه خمسةً وعشرين عامًا من حياتي، فإذا بي أراه للمرة الأولى: كان أصغر مما اختزنَتْه الذاكرة؛ السقف أكثر دنوًّا، الأبواب أوطأ، ومفاتيح الضوء قد اختلفت، حتى السجاد بدا غريبًا في موقعه. تفاصيل صغيرة لا تستوقِفُ العابرين، لكنها حين احتشدت أمامي، شعرت فعلًا أنّه مرّ وقتٌ طويل! وقفتُ أنظر إلى أركان البيت وكأن بيني وبينه جدارًا من زجاج خفيّ؛ أراه وأعرفه، لكنني لا ألمس فيه أثري القديم. لبرهة، خالَ لي أنني أعيش حلمًا، أو أنني أطوف في نسخةٍ مصطنعة من حياتي الأولى؛ نسخةٍ تشبهها في كل شيء، إلا أنها مجرّدة من الروح التي كُنْتُها. لم تَمْضِ سوى ساعات حتى آلَفْتُ المكان مجددًا، وكأن عامي المنصرم قد مُحي من الذاكرة بضربةٍ واحدة. كأنني ما غادرتُ قط. ...