سرّي الجميل

 




تساورني بين الحين والحين رغبةٌ عارمة تجرّ قلمي جرًّا إلى الصحائف، ففي أعماقي حديثٌ لا يجد سبيله إلى السكون حتى يُلقى على الورق؛ فأودّ لو أبثّ العالم نبأنا، وأحدّث الناس طرًّا عن قصّتنا التي نُسجت خيوطها بين تضاعيف الزمان، أودّ لو أصرخ في هذا الفضاء الفسيح: كيف بدأت حكايتنا.. وأين التقت أواصرنا.. وكيف، بالرغم من فساحة هذا العالم واتساع أقطاره، وكثرة الوجوه التي تمرّ بنا ثم تمضي كأنها لم تكن، شاءت الأقدار أن نلتقي..كيف اجتمعت روحان كان يمكن لكلٍّ منهما أن يعيش عمره كاملًا دون أن يعرف أن في هذا العالم روحًا تشبهه إلى هذا الحد؟ وكيف استطاع شخصٌ لم يكن لي في أول الأمر إلا وجهٌ بين الوجوه، أن يصبح بعد ذلك وجهتي حين تضطرب بي الجهات، وصوتي حين يعجز لساني، وسكينتي حين تضيق بي الدنيا؟


أود أن أكتب كيف جاءت الحكاية في وقتٍ كانت فيه الأخبار تُحمل إلينا كأنّها نذرٌ تتعاقب، المسافات كانت طويلة لا نهاية لها، كنّا نرقب جمر الأخبار، وننتظر حركة الطيران بأفئدةٍ واجفة، تجثم عليها هيبة القلق ورهبة النوى، ونحسب الساعات، لنظفر بلقاءٍ عابر، بضع ساعاتٍ أو أيام، نجلس فيها متجاورين، ونستعيد شيئًا من الحياة التي سلبتنا إياها المسافات، وشيئًا من السلام في عالمٍ يموج بالاضطراب وتطحنه النوائب.


أردت أن أحدثهم عن الأغنيات التي نقتسمها، وعن الأحاديث الطوال التي لا تُطوى حواشيها، فنبدأ من أمرٍ صغير ثم ننتهي إلى الحياة كلّها؛ نتجاذب أطراف الكلام عن الحب المصفّى من شوائب التملّك، وعن أهوال الحرب التي تنهك الأرواح وتترك في القلب أسئلةً لا جواب لها، وعن الوطن الذي نحمله في أضلعنا أينما ابتعدت بنا الطرق، وعن تلك الروح الطفولية التليدة التي لم يستطع غبار السنين أن يطمس براءتها في وجداننا.


أردتُ أن يعلم العالم أجمع كيف تتطابق روحانا، كأنّهما قُبستا من سراجٍ واحد، ثم أُرسلتا إلى الدنيا في زمنين مختلفين حتى جمعتهما المصادفة.. أردت أن أحدثهم عن تلك الألفة الغريبة التي لا تحتاج إلى تفسير، وعن ذلك الشعور الذي ينتابني كلما حدّثتك، كأنني لا أبدأ حديثًا جديدًا، بل أستأنف حديثًا قديمًا تركناه بالأمس ثم عدنا إليه اليوم..



وأحبّ فينا أننا نستطيع أن ننتقل من أعظم أسئلة الحياة إلى أبسط تفاصيلها دون أن نشعر أنّ بين الأمرين تناقضًا؛ نتحدث عن العالم وما فيه، ثم نضحك على أمرٍ صغير لا يستحق الضحك، ثم نسكت قليلًا، ثم يعود أحدنا فيفتح حديثًا آخر كأنّ الليل قد وُهب لنا لنقول فيه كلّ ما عجزنا عن قوله في النهار.


أريد أن أصف لهم كيف يغدو العالم كلّه خائفًا مروّعًا، بينما ألوذ أنا بفيء الأمان المنسكب من عينيك، كأنّهما المرفأ الوحيد لشراع سفينتي المتعبة….ما أغرب الإنسان! قد يقف بين الناس آمنًا، ثم لا يشعر بالأمان إلا عند شخصٍ واحد؛ وقد يسكن بيتًا واسعًا، ولا يشعر بالبيت إلا حين يجلس إلى جوار من يحب.


أريد أن أكتب لهم عن نظرتك إليّ حين تراني أرسم؛ تلك النظرة التي أشعر معها أن ما أصنعه بيدي لا يمرّ عليك مرورًا عابرًا، وأنّك ترى وراء الألوان شيئًا مني أنا. كنتَ تنظر إلى لوحاتي كما لو أنّك تقرأ جزءًا من روحي، وتدع لي المساحة التي أحتاجها لأكون نفسي، دون أن تطلب مني أن أشرح كل شيء. ولعلّ الإنسان لا يحتاج في الحب إلى من يفهم كل ما يقول، بقدر حاجته إلى من يفهم ما يعجز عن قوله.


لقد داويتَ في قلبي جروحًا لم تكن لك يدٌ في صنعها، ولم تسألني في كل مرة من الذي أوجعني، ولا لماذا بقي الوجع، وإنما جلست إلى جواري حتى هدأ..


منذ عرفتك، صرت أنظر إلى الحياة بعينٍ أخرى.. لأنني صرت أعرف أن في آخر اليوم قلبًا أستطيع أن أعود إليه. وقد يكون هذا وحده كافيًا لأن يجعل الإنسان يحتمل كثيرًا من مشقّة الطريق.


منذ عرفتك، وأنا أريد أن أسترسل في الحديث عنك، أطيل وأفيض، لعلّك تقرأ بين الأسطر والمقاطع كم حملتُ في قلبي لك، وكم مرةٍ وجدتني أبحث عنك في الأشياء من حولي؛ في أغنيةٍ مرّت مصادفة، وفي طريقٍ سلكناه معًا، وفي ساعةٍ من الليل طال فيها السهر، وفي فنجان قهوةٍ أعددته لي، وفي تفصيلٍ صغير لا يراه أحدٌ سوانا.


غير أنّه لا يسعفني الشعر ولا المجاز في وصفك، وكلّ حروفي تقف عاجزةً أمامك؛ فما عسى الكلمات أن تفعل أمام شعورٍ صار أكبر منها؟ وكيف أشرح للورق معنى أن يجد المرء في إنسانٍ واحد شيئًا من الصديق، وشيئًا من الرفيق، وشيئًا من الوطن، وشيئًا من الطفل الذي كانه يومًا ولم ينسه؟


أنت سرّي الجميل.


وكلما هممت بإفشاء هذا السر، وسكب حبر الشوق على قارعة الطريق، رجعت إلى نفسي واستوقفت بناني، وقلت في نفسي: أنك سرّي الجميل الذي أضنّ به على عيون العابثين، وذُخري الأغلى الذي لا أريد أن يطّلع عليه قاصٍ ولا دان. لأن بعض الأشياء تفسد حين تخرج من حرمة القلب إلى ضجيج العالم. وبعض النعم لا نملك إلا أن نحرسها بالصمت، أراني أستخسر أن تشاركني الأبصار في استجلاء هذا البهاء، وأستحرم أن تطأ الأقدام الغريبة أرض روضتنا المغلقة. فما بيننا ليس حكايةً أريد لها أن تُروى لكل أحد، ففي الحب أشياء لا يليق بها أن تتحول إلى كلماتٍ معلّقة أمام الناس؛ يكفي أنها موجودة في القلب، وأنّك تعرف معناها.


ولذلك أفيء إلى الصمت المطبق، وأستريح إلى الكتمان، وأطبق شفتيّ على جمر الوجد، فلا أقول شيئًا، يقينًا مني بأن روحك تلمس روحي، وبأنك تعرف كل شيء؛ تعرف ما تفيض به العيون، وما تهمس به الضلوع، وما يختبئ خلف الكلمات حين نقول شيئًا ونريد في الحقيقة أن نقول أشياء كثيرة.


تعرف أن بعض الصمت بيننا ليس فراغًا، وإنما كلامٌ بلغ من الصدق مبلغًا لم يعد معه محتاجًا إلى صوت. وأن بعض النظرات رسائل كاملة، وبعض الابتسامات اعترافات، وبعض لحظات القرب تختصر صفحاتٍ من الكلام.


ولكن الحب، إذا جاش في الصدر وفاض عن سعة القلب، ضاقت به الضلوع، وأوشكت الروح أن تنهمر شجونًا. لقد حاولت كثيرًا أن أضع لهذا الشعور اسمًا، فلم أجد اسمًا يحيط به؛ فالحب وحده كلمةٌ قصيرة أمام كل ما أشعر به.


فإن رأيتني أكتب عنك كثيرًا، أو أسترسل في وصفك، سامحني، لأنّ قلبي، كما قال درويش: لم يعد كافيًا، وما أستطيع قوله، على كثرته، لا يبلغ إلا طرفًا صغيرًا مما يعجز قلبي عن حمله.


وإن كان للقدر أن يهب الإنسان هديةً واحدة لا تشبه سائر الهدايا، فقد كانت هديتي أنت.


وإن كان لي أن أحتفظ بسرّ واحد من أسرار العمر، فسأحتفظ بك.


وإن كان لي أن أكتب على هامش حياتي جملةً واحدة، فلن أكتب إلا أنني، في هذا العالم الواسع المزدحم بالوجوه والطرق والصدف، وجدتك. :)


والآن أسكت؛ لأن بعض الحب إذا بلغ منتهاه، لم يعد يحتاج إلى كلام.


ولأنك، قبل أن أقول، تعرف.


وقبل أن أكتب، تقرأ.


وقبل أن أنطق، تسمع ذلك الاضطراب الخفيّ في قلبي.


ولأنك أنت، وحدك، تعرف كم أحبك، وإن لم أقل.

Comments

Popular posts from this blog

البَحْتة

إنّي أحبّك

عينان خارج النظام