وهم العودة

 



عدتُ إلى الأردن في زيارةٍ خاطفة؛ ظننتُ أنني لن أقتطع لها من عمري سوى أيام معدودة، فإذا بها تنتزع مني شهرًا كاملًا، فقط لأستوعب حجم ما أحدثَتْه في داخلي. كان في صدري ازدحامٌ من المشاعر العصية على التسمية، وكأن العودة قد شرّعت في روحي أبوابًا كثيرة في لحظة واحدة، ثم تركتني واقفةً في المهبّ؛ لا أدري أيّ أبوابها أدخل، وأيّها أُغلق.


ولجتُ البيت الذي أودعتُ فيه خمسةً وعشرين عامًا من حياتي، فإذا بي أراه للمرة الأولى: كان أصغر مما اختزنَتْه الذاكرة؛ السقف أكثر دنوًّا، الأبواب أوطأ، ومفاتيح الضوء قد اختلفت، حتى السجاد بدا غريبًا في موقعه. تفاصيل صغيرة لا تستوقِفُ العابرين، لكنها حين احتشدت أمامي، شعرت فعلًا أنّه مرّ وقتٌ طويل! وقفتُ أنظر إلى أركان البيت وكأن بيني وبينه جدارًا من زجاج خفيّ؛ أراه وأعرفه، لكنني لا ألمس فيه أثري القديم. لبرهة، خالَ لي أنني أعيش حلمًا، أو أنني أطوف في نسخةٍ مصطنعة من حياتي الأولى؛ نسخةٍ تشبهها في كل شيء، إلا أنها مجرّدة من الروح التي كُنْتُها.


لم تَمْضِ سوى ساعات حتى آلَفْتُ المكان مجددًا، وكأن عامي المنصرم قد مُحي من الذاكرة بضربةٍ واحدة. كأنني ما غادرتُ قط. نسيتُ المَنافي، والمطارات، وعشرين طائرةً طوّحت بي بين البلاد؛ نسيتُ بيتنا الصغير هناك، وكل الطرق والأيام التي استنزفت مني عامًا لتغدو مألوفة. عاد كل ما هو قديم بلمحة عين، وكأن الغربة لم تكن إلا طيف حلمٍ عابر.



أما ذلك الشيء الذي جئتُ أستجديه، فلم أجد له أثرًا. كنتُ أظن أنني سأستعيد تلك الحميمية التي لا تحتاج إلى إثبات؛ أنني سأجلس إلى من أحب، فتجري الأحاديث في مجاريها الأولى، وتعرف النظرات دروبها إلى قلبي. لكنني ارتطمتُ بمسافةٍ هشة وهائلة، مسافة  غير مرئية بيني وبين من حولي.


كنتُ أسمع الكلمات وأفهمها، أعرف الوجوه وأستحضر الأسماء، لكنني عجزتُ عن الانخراط في عالمهم كما كنتُ أفعل. حتى أولئك الذين أطال الحنينُ صورتهم في خيالي، والذين ظننتُ أن في لقائهم دفء الماضي، وقفتُ أمامهم عاجزًة عن العثور على ذلك السرّ القديم. كانوا هم.. ولكن أين ذهب أولئك الذين عرفتهم؟ تغيرت النبرة، والنظرة، وتأويل الأشياء، وحتى تلك اللمعة الخفية في العين التي تُفصح عن القُرب. ولم أستطع اتهامهم وحدهم، فلعلّي عدتُ إليهم بوجهٍ غريبٍ لم يسبق لهم أن عرفوه.


في كل ليلة، كنتُ آوي إلى غرفتي لأجد الحزن بانتظاري. فحتى غرفتي لم تعد لي؛ تغير أثاثها، ولونها، ووقارها القديم، باتت مجرّدة من كل ذكرياتي وما يتعلق بي، وغدت مجرد مساحةٍ فائضة في البيت لمن أراد المبيت.


كنتُ أطيل الجلوس فيها، أُسائل نفسي عن الجدوى من مجيئي. ظننتُ أنني جئتُ أستردّ ما اشتقتُ إليه، ثم أدركتُ أنني جئتُ أطارد صورةً للماضي كما جمّدتها في مخيلتي.. وهنا شعرت لأوّل مرة في حياتي بالخسارة.


فالذاكرة -في الغياب- لا تحفظ الحقائق، بل تمارس عليها ما يمارسه الحنين: تهذّب الشوائب، وتجمّل الوجوه، وتزيد البيوت اتساعًا والأيام دفئًا؛ تقتطع من الماضي أجمل ما فيه، ثم توهمنا أنه كان كذلك كله. ولذا، حين عدتُ، لم أصل إلى المكان الذي اشتقتُ إليه.. بل وصلتُ إلى المكان الحقيقي؛ إلى البيت بحجمه المجرد، وإلى الناس بوجوههم الراهنة، وإلى الأيام بعد أن نفدت منها الطفولة.


منذ تلك العودة، يسكنني أسىً لا يستجيب للعزاء. أشعر أنني خسرتُ أكثر مما كنتُ أخشى خسرانه. حتى الذاكرة بدأت تخذلني؛ المدرسة، الجامعة، الأيام التي حَسِبْتُ أنني سأحرس تفاصيلها حتى رمقي الأخير.. أصبحت اليوم شذراتٍ غائمة بالكاد أذكر منها شيء. وأشدّ ما يؤلم في الذاكرة أنها لا تعيش بمفردها؛ فإذا انقطع الوصل بفرسان تلك المراحل، تباعدت السنوات في الداخل حتى تغدو كأنها سيرة شخصٍ آخر.


الآن أشعر أنني فقدتُ حتى ذلك الركن الصغير الذي كنتُ ألوذ به كلما اعتصرني الحنين. كنتُ أتمنى لو بقي لي ثابِتٌ واحد: مكانٌ لم يطاله التغيير، أو شخصٌ يحفظ النسخة الأولى مني، أو غرفةٌ أعود إليها فأشعر أن الزمن قد يتوقف. شيءٌ واحد ألمسه وأقول: "هنا كُنت". لكنني لم أجد شيئًا.. إذ يبدو أن الماضي لم يكتفِ بالرحيل، بل أغلق الباب وأخذ المفاتيح معه.


وللمرة الأولى، تمنيتُ لو أنني لم أعُد؛ لأنني أردتُ حماية الأشياء كما سكنتني: أن يظل البيت باتساعه القديم في عيني، والأشخاص بنقائهم الأول، وصورتهم في ذهني كما تركتهم. كنتُ أتمنى لو بقي الماضي بعيدًا عن متناول يدي، مَصُونًا في غيابي، لا أقترب منه فيفسد، ولا أعود إليه فأكتشف أنني كنتُ أحبّ أثرًا لشيءٍ لم يعد موجودًا.


ثم غادرت مجددًا، بسرّ وصمت، كما غادرتُ أول مرة. تركتُ خلفي عند الرحيل الأول أبوابًا مواربة، وأسئلة بغير أجوِبة، وأمورًا آثرتُ إغفاءها خشية إيقاظها. شعرت أنني هربت، إذ أنني كنتُ أخاف إن لقيت أحدًا أو اصطدمت بذكرى قديمة، أن تستيقظ في داخلي خاطرةٌ قضيتُ عمرًا أتعلم كيف أركض منها. فلم أطرق بابًا، ولم أبحث عن أحد.. ربما لأنني كنتُ أعلم في عمقي أنني لو فتحتُ بابًا واحدًا، لن أجد خلفه ما تركته، بل سأجدني أنا.. بكل ما حاولتُ تناسيه.


ثم عدت.. عدتُ إلى المنفى؛ إلى ذلك اللامكان الذي صار -بمفارقةٍ عجيبة- مكاني الوحيد.

أربع رحلاتٍ جوية قطعتُها لأصل مجددًا إلى بيتنا الصغير القابع خلف البحار، البعيد عن الأردن آلاف الأميال.


 جلستُ هناك، محمّلة بخيبة أمل، من الأماكن والأشخاص، من الوطن، ومن الذكريات.


هذه هي الحقيقة المُرّة: حتى لو عدتُ ألف مرة، فلن أجد ما أبحث عنه. يبدو أنّ الوطن تخلّى عنّي، بالرغم من أنني وبكل صدق، لم أتخلّى عنه! صحيح أنني غادرته، لكنني حملته معي في حقيبتي أثناء سفري وترحالي، في لوحاتي وكتاباتي وعلى جدران بيتي، لكن وطني كان محصُورًا في زمنٍ مضى.. وأنا لا أملك تقويمًا يُعيد الأيام.


يمكن للإنسان أن يعبر المحيطات، وأن يستقل الطائرات، وأن يقف على العتبة التي ولد فيها، ثم يكتشف أن المسافة الأطول ليست بين بلدين، وإنما بين خياله والحقيقة.


—عدتُ إلى الأردن، أفتش عن أشياء ظننتها تنتظرني، فتعلمتُ أنها لا تنتظر أحدًا.. لقد مضَتْ، ومضيتُ أنا. ولم يتبقَّ بيننا سوى هذا الحنين؛ حنينٌ لا يهديني طريق العودة، ولعل هذا هو الثمن الفادح لأن نكبر، أن نكتشف متأخرين أن الأشياء التي ظننا أن بوسعنا الرجوع إليها متى أردنا، كانت تجربةً لمرةٍ واحدة فقط.. وأن بعض الأماكن لا نفقدها حين نرحل عنها، بل نفقدها تمامًا.. حين نعود إليها.

Comments

  1. Honestly, I’ve really missed your writing .. I used to check your blog almost every day waiting for you to post something.. This one was a little hard for me to read because I can feel you in it, and I hate knowing that you’re feeling this way..It really hit me, I could hear your voice in every line..So sad, but so beautifully written. I’m really glad you shared it 🤍

    Please take care of yourself, and stay safe🤍

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

البَحْتة

إنّي أحبّك

عينان خارج النظام